قراءة المشهد الجزائري بتأنٍ، وتشريح الوضع الراهن لتبيان دوافع الحراك المستمر والسلمي وخصائصه، تمثل أولوية لأهمية الظاهرة بالنسبة للجزائريين وكل الشعوب التي تئن تحت أقدام الديكتاتورية ومخلفاتها من مظاهر التخلف والبؤس.

أولًا، الدولة القوية والمتماسكة يقاس مقدار قوة جبهتها الاجتماعية حسب عمقها الشعبي الحقيقي، وهنا عندما أقول الحقيقي فهي تكفل لأبسط مواطن فيها حق العمل، ودخلًا محترمًا، وحق السكن، وحق التعبير، وأهم الحقوق هو الحق في التقرير، أو بصيغة أخرى صناعة القرار؛ بحيث يكون صوته ذا وزن، فيحس أنه لبنة في صرح عظيم. ومنه فإن الدولة التي لا تضمن الحقوق السالفة الذكر لن ترقى إلى مصاف الدول المحترمة، بل تمثل كيانات مستهلكة ماديًّا وفكريًّا تتمتع بمظاهر الدولة.

نعود إلى نهضة الشعب الجزائري وحراكه الذي أشعل شرارته شباب الجزائر، لقد مكن ضعف المعارضة وخطابها، واستعلاء السلطة وفسادها الجيل الجديد من الجزائريين من العزوف عن الساحة السياسية الوطنية، ومقاطعة كل النشاطات الانتخابية من طرف الأغلبية الصامتة؛ مما أفسح المجال للشباب للابتعاد والتحرر من كل الأيديولوجيات التي ترعاها السلطة والمعارضة معًا، ومن لغة الخشب التي لا تحقق شيئًا على أرض الواقع سوى تكريس الفشل والنهب والفساد، والتي تنصر الولاءات لا الكفاءات؛ مما اضطر شريحة كبيرة منهم إلى الهجرة الشرعية وغير الشرعية اختناقًا من الواقع.

أما أهم أسباب نمو وعيه السياسي هو ظهور جيل جديد من المدونيين والناشطين في المهجر، أمثال أمير ديزاد، وغاني مهدي، ورشيد نكاز الذين خطفوا الأضواء، وآخرين مثل عدلان ملاح، وحفيظ دراجي، وزيتوت… بالإضافة إلى تطور وسائل التواصل الاجتماعي الذي سمح لهم بالاحتكاك والاطلاع على آراء أشهر المحللين في السياسة والاقتصاد عبر تدخلاتهم على وسائل الإعلام الأكثر انتشارًا وتأثيرًا، فتكون لهم منظور شامل عما يحدث في العالم ومحيطهم الإقليمي من سياسات ومؤامرات، بعيدًا كل البعد عن الحزيبات التي كانت تظن أنها سيدة المشهد والمتحكمة في زمامه.

نتاج تنامي هذا الوعي لمدة سنوات جعل الشعب الجزائري لا ينجرف مع موجة الربيع العربي بعدما تفطن لمحاولات اختراقها وحرفها من طرف دول ومؤسسات ومخابر غربية وأنظمة عربية؛ ففضل حالة الاستقرار الحرج، على فتح باب التدخلات الأجنبية، ونحن نعلم مدى حساسية الجزائريين من التدخل في شؤونهم.

مما شجع الغباء السياسي وانعدام البصرية لدى السلطة ومن يدور في فلكها، بعد تمرير العهدة الرابعة بسلاسة على ترشيح إطار صورة الرئيس الذي ظل مدة سبع سنوات يخاطب شعبه عبر الحمام الزاجل، فكانت النقطة التي أفاضت الكأس؛ ليلة أول جمعة للحراك، والتي اقترنت بعدم وضوح الجهة التي دعت الجزائريين للخروج يوم 22 مارس (آذار)، كان الكل يتوجس خيفة مما قد يحمله الغد، لكن براعة الشباب وتنظيمهم وإبداعهم يوم الجمعة جعل الكل ينبهر، وأحي شعلة الأمل والاعتزاز في نفس كل من لم يخرج ذلك اليوم.

أما تاج الحراك الشعبي فكان دون منازع ذكاءه الجماعي المتقد والقدرة المنقطعة النظير في تنظيمه وتأطيره لنفسه؛ مما أبهت السلطة والمعارضة معًا وأبهر العالم، جعلهم يقفزون بعيدًا عن كل المؤسسات السياسية والحزبية، وجعلت الحراك يرقى ويسمو عن كل تمثيل، ويتحكم في مطالبه، ويحافظ على وحدته، ويمارس ضغطًا رهيبًا جعل السلطة تتخبط وتعجز أمام سلميته وابداعه، فكانت نتيجة أسبوعه السادس استقالة الرئيس بعد وأد مشروعي العهدة الخمسة والتمديد، وهو متواصل نحو عزل كل رموز النظام السابق وتركته تمهيدًا لبناء جزائر الغد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد