بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الثورات في مختلف البلدان العربية وإسقاط أغلب الطغاة مع استمرار الثورات في أغلب البلدان، سؤال يدور في الأذهان: لماذا فشلت ثورات الربيع العربي في تحقيق الاستقرار والبدء في إنتاج دولة العدالة والقانون التي كانوا ينادون بها إلى الآن؟! وعند تحليل الاسباب هناك محاور ثلاثة لا يمكن اجتيازها وهي كالآتي.

أولًا: المجتمعات

المجتمعات العربية في الدول الثائرة مجتمعات عاطلة وخاملة وغير قادرة على الدفع إلى الأمام لأنها كانت على مدى عقود مغيبة سياسيا وتقتصر مهمتها على الولاء للزعيم أو الرئيس أو القائد وإعطاء الولاء له وتفويض الأجهزة الأمنية لإعدام أبنائها.

هذه المجتمعات انقسمت بين باحث عن الأمن والأمان إبان الثورة وبين من يدعو لإسقاط النظام وهي نفسها بعد الثورة كانت جزءًا من المشكلة فمثلا في سوريا انضم كثير من أبناء المجتمع السوري لتنظيم الدولة وأيدته بعض العشائر في العراق ردا على الطائفية المقيتة التي يتصرف بها نوري المالكي وزاد التأييد بعد أفعال الحشد الشعبي .

وكذلك التركيبة القبلية المعقدة التي سادت خصوصًا في ليبيا واليمن والتي أظهرت انشقاقًا في المجتمع في ظل عملية الحزم في اليمن وما يسمى عملية الكرامة في ليبيا.

ثانيًا: أنظمة الاستبداد الساقطة

الأنظمة التي سقطت تحت ضربات الثورات لا زالت تحاول الظهور بوجه جديد من خلال إفشال الثورة والتحالف مع جزء منها للقضاء على الجزء الآخر الذي هو راديكالي يرفض عودتها نهائيًّا ومن تحالفت معه يرفع شعار التسامح والوطن للجميع وبالجميع يبنى، متناسيًا ما فعلته تلك الأنظمة !

هذه الأنظمة ورموزها لا زالت ترى في نفسها الأحق بالسلطة وترى فيمن قام بالثورة وأسهم فيها عميلا وترى أنها الوطن وما عداها هو عميل وخائن ولا يستحق الحياة وهي تستمر بالطريقة الاستبدادية وترفض التنوع والتداول السلمي للسلطة .

حاولت الأنظمة المستبدة إعادة إنتاج نفسها في مصر واليمن وليبيا ولا زالت محاولاتها مستمرة ولذلك تشهد هذه الدول حالة من الفوضى وعدم الاستقرار .

ثالثًا: القوى العظمى

القوى العظمى أوروبا وأمريكا وروسيا لم تصدق قيام الثورات بهذه السرعة والكيفية ولكنها أخذتها بالأمر الواقع فإما أنها عارضتها كما فعلت روسيا مع نظام الأسد أو أنها رحبت بها لاحتواء الشارع العربي والعمل في الخفاء على إجهاضها والتآمر عليها كما فعلت الولايات المتحدة .
هذه القوى المتنافسة فيما بينها ترى في نفسها الأحق والأجدر في تسيير المنطقة من مبدأ تراتبية الحضارة فنشوء أنظمة ديمقراطية ودول حرة تعبر عن شعوبها ليس في مصلحتها وهذا مؤشر على بداية انتهاء نفوذها وتقليص دورها .

التحول إلى الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان وإنشاء دولة العدالة والقانون يعني تطور تلك الدول وبحثها عن تطوير اقتصادها وانتقالها من دور التابع إلى دور المنافس كما حدث في دول أمريكا اللاتينية التي شهدت تطورا اقتصاديا كبيرا وصارت من الدول المنافسة وتقترب من القوى العظمى بحذر مثل البرازيل .

يدرك القائمون على السياسة الخارجية لتلك الدول خصوصًا أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا أن نجاح الثورات العربية يعني نهاية السيطرة وبسط النفوذ على تلك الدول وتحولها إلى قطب منافس في جميع الاتجاهات .

فمثلا بعد انقلاب السيسي على الرئيس مرسي علقت الخارجية الأمريكية بحذر على ذلك معتبرة إياه انقلابًا وأنه على العسكر مراعاة حقوق الإنسان ولكنها بعد شهور تسلم الجيش المصري 10 طائرات أباتشي في 21 ديسمبر 2014 وترفع قيمة المعونة العسكرية بعد أن قلصتها في عهد الرئيس مرسي! وفرنسا تعقد صفقة طائرات (الرافال) العاجلة والشهيرة وعددها 24 طائرة والتي أنجزت في ثلاثة أشهر.

كذلك في ليبيا القوى العظمى غضت الطرف عن افعال حفتر وتجاهلت جرائمه ومحاولاته الانقلابية دون أي تعليق بل تحصل على الدعم من نظام الانقلاب المصري ودولة الإمارات العربية لأنه ببساطة يخلق فوضى تزرع في الأذهان فشل الثورات وأنه لا مناص من حكم الاستبداد في منطقتنا ودولنا .

تلك العوامل مجتمعة هي أساس فشل الثورات العربية إلى الآن وإن كنا نرى أن رياح التغيير ستأتي مجددًا مهما حاولوا التخلص منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد