يمكن القول إنّ أبناء آدم – عليه السلام – من كرام المخلوقات، يمتازون عن بقية المخلوقات بالعقل والذكاء والكلام، وملكة، بل قدرات التفكير والتحليل والوصف والقياس والتقويم، والتدبير، فالإنسان وحده أعطاه الله – تبارك وتعالى – هذه القدرات، مما لاشك فيه أنّ هذه السمات العظيمة التي يمتاز بها بنو البشر عن غيرهم، هي ليست إلا كرامة من ربّنا لنا، فمن الواجب أن نحتفظ بها احتفاظ الضمير الإنساني من الزيغ وقلوبه من الغفلة والحماقة، وعليه فإنّ الإنسان يستطيع بموجبها أن ينجز رغباته وخطواته وآماله وميوله وحاجاته، بل وبها استطاع الإنسان أن يسيطر على العالم بتغييرات الإيكولوجية، وإذا رجعنا إلى العصور القديمة فسنجد أنّ البشرية كانوا يعيشون على منوال هذه الأنماط ويحتفظون على القيم البشرية احتفاظًا كاملًا بعدم الوقوع في الرذائل، وبالتّاكيد فإنّ الحياة كانت طيبة ولذيذة ورخيصة، وكان الناس أمّة واحدة يسودهم الكرم، والحبّ، والرّحمة، والصدق، والأمانة، والإخلاص، لكنه في الأعوام الأخيرة أو في العالم الجديد انفجرت العلوم، ورفعت الهمم، ونسي الإنسان طبعه، ومن أين جاء وإلى أين يعود، وظهور المشكلات البشرية تتزامن مع ظهور الحضارة أو النهضة فجعل البشرية يجرون وراء هذه الحضارة جري الظبي سرعته، ومن هنا زادت الأطماع، فجلبت الأحزان إلى الصدور، والآمال الواسعة الرغبات العالية نحو المدينة الخيالية الأفلاطونية الفاضلة.

نتيجة لذلك نسي الإنسان قيمته وساءت صفاته وأخلاقه وندد أسباب السعادة الواقعية في البيئة حول نفسه.

بدأنا تدريجيًا نصوّر حياة غيرنا ونجلب ثقفات غيرنا إلى ثقافتنا الأصلية ونجبر أنفسنا لاتباع عادات التي هي غيرنا، وعلى الرغم من أنّ الدّين الإسلامي وضع لنا منهاجًا نتبعه، إلاّ أن البعض تم اقناعهم بأنّ هذا النهج الذي نجد سعادتنا فيه هو نهج من طراز تقليدي ويقود الشباب إلى التخلف، ونرى ذلك في كيفية حياتنا والهمم.

ولقد وضع الإسلام للبشرية منهاج متكامل للحياة، يحتفظ على القيم البشرية من الفساد، ويستقيم أخلاقهم، وسلوكهم، ويقيم العدل بين النّاس، وينظم العلاقات الاجتماعية، بل هذا المنهج يهدي إلى الفلاح في الدّنيا، والنجاة في الآخرة، لا خاسر من التزم به، ولا يضلّ من تمسك به قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، الكتاب والسنّة، أو كما يقال.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم) سورة الرعد، الآية 11 فبدّلنا الحبّ بالبغض، والرّحمة بالخشانة، الصدق بالكذب، والتواضع بالكبرياء، والأمانة بالخيانة، والإخلاص بالرياء، والاستقامة بالإعوجاج، فسلّط علينا الشيطان باتباع سجيته، فبدأ يلعب بعقولنا، وخنس في صدورنا الشرّ، ويغزو أفئدتنا إلى أحلام اليقظة وآمال مستحيلة، فأصبح الإنسان متحيرًا الطبع، خائف الصفة، فالأخلاق بدأت تفسد بإفساد ضمائرنا من أجل اتباع الهوى وريم المنهج الربّاني المنير وراء ظهورنا، ونتكالب إلى الأحلام اليقظة أو الآمال المبهمة، وجعلنا الفضيلة على المال وأقنعتنا العولمة إلى الاهتمام به واستجبنا، واخترعنا بأنفسنا مصطلحات جددة مثل: الحضارة، الحرية، المساواة.

أوّلًا: أثر مصطلح الحضارة في اضمحلال القيم البشرية

لا أحد يعارض الحضارة التي نقصد بها النهضة والازدهار والتقدّم لأنّ الإنسان القديم، على الرّغم من أن الأخلاق الفاضلة كانت تسود في الأمم الغابرة، إلا أنّهم كانوا يعينون  بمشقات غليظة إثر الأميّة والبحث العلمي، فالنقل من مكان إلى آخر يكون بالرجل، أو فوق دابّة، ويقضون أشهر قبل الوصول إلى الأماكن المستهدفة، وربّما يفترسهم حيوان زاحف في الطريق، أو يقعون في بئر مجهول، أو يهلكون بانتهاء زادهم ذلك لطول المسافة، كما أنّ أسباب الزينة كم تكن متوفّرة في قديم الزمان، ناهيك عن الوسائل التعليمية والاتصالية التي يتمتّع بها الجيل الرّاهن.

أمّا إذا خرجت الحضارة من هذا المفهوم الواضح – وهو ظهور العلم وتطوره – إلى مفهوم آخر الذي يقود الناس إلى الغموض والملابسات والغضادة فيمكن الوقوف مهلًا لإلقاء الضوء على هذا، بعض النّاس فهموا أنّ الحضارة هي التقليد الأعمى بمعنى تهميش عاداتك وثقافتك، وقيمك، بل ودينك وتعظيم طريقة حياة أمم أخرى، وتشعر بالعزّة إذا لبست ملابسهم، وتفتخر إذا تصرّفت مثلهم.

أنسيت خلفيتك التاريخية، أنسيت بيئتك الجغرافية، أنسيت دينك؟ إذا كان الجواب بنعم! فتأكد أنّك ضللت ضلالًا بعيدًا، وانحرفت انحرافًا واضحًا، وجهلت جهلًا داكنًا.

وإذا كان الجواب بلا! فلماذا تقلّد ثقافات غيرك؟ ألم تر أنّ ملابسك لم تغطّ جسدك، ألم تر أنّ شعرك فارغًا من غطاء أو منديل، ألم تر أنّك لم تطع والديك، ألم تر أنّك لا تحترمين النّاس، ألم تر أنّ مخك مسغول حتى لا تكادي تشعرين بعزّة بلادك وقيمها، ألم تر أنّك جعلت لا تحبّين عادات بلادك، وتراها مزعجة، ونسخت عادات أناس ذهبت فيها روح الإنسانية، بل الآدميّة عندهم المادة مطلقًا، أخيرًا يقول الشاعر أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت … فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وصلى الله على السيد المصطفى الأمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد