سؤال الصدمة.. القلق والارتباك

يُجمع المعاصرون على أنَّ الغرب قد تفوق علينا حضاريًّا بفارق كبير، ربما يمكنك وصفه باستخدام السنوات الضوئية، وهو أمر مشاهَدٌ لا يحتاج بُرهانًا، بل هو صدمة تربك العقل عن التفكر والتأمل، كلما لاحظ وجود هذه المساحة الزمنية، التفوقية، بين الطرفين، صدمة جعلت الكثيرين يفلتون زمام التحكم بالنفس، وينساقون وراء أي داعٍ إلى الغرب، أو إلى النهوض من الكبوة، صدمة أدت في بدايتها ببعضهم إلى الدعوة إلى الاتّباع الكامل للحضارة الغربية، أو الانقطاع الكامل عنها، وإن كانت آثار هذه الصدمة الحضارية باقيةً إلى حَدٍّ ما، فإن حجم الارتباك والاضطراب في العقل المسلم أو العربي أصبح أقل حدة، وبدأ في استعادة توازنه الفكري التأملي إلى حَدٍّ بعيد.

وإنْ كنت أتفق إلى حدٍّ ما مع هذه المقولة، فإنَّه وجب علينا أن نعيد النظر فيها أولًا؛ قراءة وفهمًا، وفي أسبابها ثانيًا؛ استقصاءً وتعيينًا، نعم؛ لكي ندرك سبب هذا التفوق، وسبب الهزيمة أو أسبابها؛ علينا أن نفكك بعض المصطلحات، والتي صارت مضامينها ومدلولاتها مسلماتٍ لدى المثقفين عمومًا، وحتى الإصلاحيين من العلمانيين والإسلاميين جميعًا، وأصبحت مغذيًّا هادرًا لنهر اليأس والإحباط الذي شق نفوس كثير من أمتنا، ومن أهم هذه المصطلحات المفتاحية في هذا التفكيك؛ مصطلح «الحضارة».

سؤال الحضارة.. مادية أم أخلاقية؟

يُعد تفكيك مصطلح الحضارة من وجهة نظري، فكرة مركزية تتموضع حولها هذه الأزمة النفسية الهادرة التي تفجرت عند اللقاء الأول بين الحضارتين؛ الإسلامية والغربية، قبل ثلاثة قرونٍ تقريبًا، وهي منصة الانطلاق الصحيح نحو فضاء التصحيح، وتصحيح الفضاء العام للنهضة؛ فكلما استبان لنا «المعنى» إدراكًا لحقيقته وتلمسًا لأبعاده، خَفَّ وقْع الأزمة، وانحلّت عقدة صدمتنا عقدة، عقدة، إلى أن تزول، ويبدأ الانطلاق بعد إيضاح الرؤية.

ومن المعروف أن المقدمات تؤخذ من العنوان، ثم يجري الاسترسال حتى الوصول إلى الغايات، أو قل: تحرير المصطلح قبل الانطلاق، فما الحضارة؟ يمكن الاختصار في ذلك بتعريفها بأنها «كلُّ مركبٌ يشمل المظاهر المادية والمعنوية والسلوكية، لما يبدعه الإنسان، لإشباع حاجاته».

وهنا؛ فإنَّ ثَمَّة زاوية أخرى يجب النظر من خلالها إلى مفهوم الحضارة؛ ذلك أنَّك عند تشريح مفهوم الحضارة وعناصرها وتفكيكه، ستجد أنَّ للحضارة الإنسانية شِقَيْن: ماديٌّ، وأخلاقيٌّ أو إنسانيٌّ.

أما الماديُّ فليس إلا وسيلةً لتحقيق الجانب الإنساني من الحضارة؛ فاختراع السيارة ينبغي أن يكون لتيسير حركة الإنسان وتطوره ورقيِّه ورفع المشقة عنه، بل لرفع المشقة عن الحيوان أيضًا، وألا تكون هي وغيرُها من المخترعات أداةً للقتل والإفناء والإشقاء، كما فعل الغربيون، بل صدَّروا لنا ألاعيبَهم وأخلاقياتِهم في الحرب، تلك المساحة التي تألق فيها المسلمون ومادتُهم الأولى؛ العربُ!

فهل تفوق الغرب علينا في شِقَّي الحضارة كليهما؟

تُظلَم الحضارةُ الإسلامية عند مقارنتها مع الحضارة الغربية؛ لأنَّ الأولى ذات طابعٍ إنسانيٍّ غالبٍ، حضارة «أخلاقية» بامتياز، «إنسانية» بامتياز، على أنها لم تُهمل الجانب العلمي مطلقًا، وتشهد بذلك الكتب العلمية المؤسِّسةُ للحضارة الغربية، إذ نَقلت عن علماء مسلمين كثيرين ما أعانهم على الانطلاق، فالحضارة الإسلامية كانت «منصة» انطلاق الحضارة الغربية، ثم جاءوا إلينا محتلين للأرض، ومقيدين للروح والنفس، وهما محل الإبداع، وقاتلين للأمل وهو معينه، وكلما استوثق القيد ضاعت الحرية، وذبل الإبداع، فهي متلازمة، فانتبه إلى هذه الخلفية التاريخية المهمة واستحضرها عند الفهم أو الحكم.

سؤال المنهجية

وهي مع ذلك – الحضارة الإسلامية- لا تنسى نصيبها من الدنيا: أي المُتع الناشئة عن الجانب المادي، بل تتمتع به وتفيد ما أمكنها ذلك بالقصد والتوسط، وفي آية واحدة، يتأملها العقل الإنساني – بموضوعية- يجد فيها ضوابط وأطرًا مبهرة، ومقاصد راقية مشرقة، وتوازنًا دقيقًا محسوبًا، فكأنها منهجٌ راسم لحضارة الإنسان في سهولة ويسرٍ وبملامحَ بارزة، تقول الآية الكريمة:

«وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ  وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ  وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ». (77) القصص.

فأنت مدعو من خلال هذه الآية المنهجية الجامعة إلى: تحديد بوصلة توجهك، ويرشدك الله إلى أن تكون إليه، على أنك لن تَنْسَ أنك إنسان، ولك مُتَعُك وأسباب سعادتك المبثوثة في الأرض هنا وهناك وهنالك، فلا عليك إذا أخذت من مباحها بالقصد والتوسط استجابة لأرضيتك، ثم إذا أردت أن تحقق أسباب الخلافة فعليك بالإحسان في كل شيء، وهو الاتقان في الماديات، والفضل والارتقاء في الأخلاقيات.

ثم تقرر الآية قاعدة مستقرة مطَّردة، وهي عدم الإفساد؛ فتحذر بلهجة مرتفعة، من الإفساد، أيِّ إفساد، إذ إنه سبيل الهلاك والإهلاك، وهو موضع سخط الله على عباده.

فتحديد الغاية، والاتقان، والتمتع المباح، وعدم الإفساد في الأرض، هي ملامح حضارية بامتياز، في عبارات دقيقة، ومقاطع موحية، ومنهجية محركة.

أما الحضارة الثانية؛ أعني الغربية: فهي تنسى نصيبها من الإنسانية كثيرًا في سبيل تحقيق رغباتها المادية؛ والمادية فقط؛ كتحصيل المال بأي وجه، وإشباع الشهوات إشباعًا مبالغًا فيه، وهو الجانب الذي يحظى باهتمامها، ولا مانع أن تستجيب بين الحين والآخر لفطرتها أو تعاليم دينها أو عاداتها، التي قد تحفظ لها قدرًا من الأخلاقيات والقيم لاسيما القيم العملية، كقيمة العمل والاقتصاد والنظام، لكن المتأمل وراء المظاهر يرى أنها أخلاقيات «هامشية» في حياة المجتمع وهي وسيلة لتحقيق الدنيا لا الارتقاء النفسي والروحي، أو «انتقائية» قد تتأثر بالدين والعِرق أو اللون، حتى بعد هذا الزمان البعيد من تجارب الحرية والعدالة الاجتماعية، وتلك المسماة بالمساواة!

سؤال القيم

ولعلك تندهش فتقول: إن القيم الغربية التي سارت سلوكًا يوميًّا لدى الإنسان الغربي، هي قيم مبهرة، وهي رافعة تقدمهم، وهي – ربما- التي عناها الأستاذ الشيخ محمد عبده عندما قال: «وجدتُ إسلامًا بلا مسلمين!»، فكيف تُقلل من شأنها، ليس ما ترومه الفكرة هنا هو التقليل من شأنها؛ بل فهمها وإعادة قراءتها في سياقها الزمني والتطوري الصحيح، إنها قيم مطلوبة ورائعة، ولكنك لو دققت النظر ستجدها قيما رِبحية مرتبطة بـ«اقتصاديات السوق»؛ فالنظام، واحترام الوقت، والجدُّ في العمل، من أهم ما يميز الإنسان الغربي وأحد أهم ملامحه، ولو عمَّقت النظر ستجدها ظلالًا بارزة للنظم الاقتصادية التي تنظم العقل الإنساني، وتبرمج الجسد الإنساني لكي يكون «ترسًا» صالحًا في «آلة العمل»، يزيد من الأوراق المالية التي تربض في أرصدة الإقطاعيين أو الإقطاعيين الجدد! حتى وإن أصبحت هذه القيم الصناعية مع مرور الزمن جزءًا من شخصية الكثيرين منهم، وإلا فلتسال نفسك عن سائر القيم الإنسانية؛ كقيمة الترابط الأسري، واحترام الوالدين، وصلة الأرحام، واحترام الكبير، والإيثار، وغيرها مما لا يرتبط بسوق العمل، ويمكنك أن تذهب إلى دور المسنين لتجد الإجابة هنالك، ويمكنك أيضًا أن تفحص الإحصائيات الدالة على عدد حالات الاكتئاب، والقلق، والاضطرابات النفسية داخل هذه المجتمعات المبهرة، وأن تعيد قراءتها في سياق سوسيولوجي وقيمي.

سؤال الارتباك وطريق الانطلاق

على أنَّ هذا التفوق الغربيَّ الماديَّ ألقى بظلاله على توجهات الأمة الإسلامية في سبيل نهضتها -لاسيما المصلحون- فكريًّا وتعليميًّا وسياسيًّا، فبات صانعو الفكر والتربويون – والسياسيون بالطبع- يركزون على الجانب المادي من الحضارة باعتباره الوسيلة «المثلى» لتحقيق التقدم والتخلي عن الموقع الخلفي في رَكب الإنسانية المسرع، فزاد اهتمامنا بـ«الجوانب المادية» من الحضارة وأهملنا «الإنسان»؛ نفسَه وعقلَه؛ مشاعره وانفعالاته، تفكيره وتأملاته، وأهملنا العلوم الإنسانية، وهي «ذلك الجانب من المعرفة الذي يتعلق بما ينتجه العقلي البشري من نظريات وفلسفات تهتم بالعقل والنفس»، وأصبح هنالك تساؤلٌ مُلحٌّ:

ما طبيعة العقول التي يجب أن نهتم بصياغتها وتنميتها؟ أو قل: إذا أردنا أن نخطط لِلِّحاق بالحضارة، فهل حاجتنا إلى العلوم «الإنسانية» أهم وأولى أم إلى العلوم «التطبيقية»؟

لعلك توافقني -بداية- أننا بحاجة إلى عقول تُحسن التخطيط للنجاح، تدرك نفسيات الجماعات البشرية وطبيعتها، بتنوع ثقافتهم وتكوينهم وبيئاتهم، تدرك منحنيات النفس وخط سير العقل – معا- لدى المواطن؛ فتفهم حاجاته وميوله واتجاهاته؛ من حيث تكوينها وتنشئتها، وتعزيزها وقيادتها، ثم تدرك كيف تلبي ذلك كله، أو تسيطر عليه وتوجهه نحو ما تريد هي، فتُشحِذ من أجل ذلك الهمم، وتستحثَّ الطاقات وتُحَزِّمها للغاية الكبرى، من هنا أزعم أن حاجتنا إلى العلوم الإنسانية أشدُّ وأهم!

نحن لسنا في حاجة إلى عقول مقولبة على البحوث التجريبية، التي تخضع فيها العوامل أو الأشياء إلى ضبط مُحكَم، وتحكم مضبوط، أو تبحث في جسد الإنسان وتكوينه أو البنيان وتأسيسه، كعلوم الطب والهندسة، أكثر من حاجتنا إلى تلك العقول التي يمكنها فهم طبيعة النفس البشرية، وطرق قيادتها وتوجيهها؛ لأنها الأجدر لقيادة عملية صنع القرار في دولة أو مؤسسة، تتعامل مع الإنسان؛ نفسِه وعقلِه.

وليس هذا بالطبع دعوة إلى التقليل من أهمية العلوم التطبيقية، ليس الأمر كذلك، ولا ينبغي، ولكن لكلٍّ موضعُه ومجالُه، وألفِت انتباهك إلى أنَّ الدراسات التي تناولت الاتجاهات التعليمية في الغرب أشارت إلى أن معدل اتجاه طلاب المرحلة الجامعية، وما بعدها، قد ازداد في نهاية القرن الماضي لصالح دراسة الإنسانيات!

إننا عند «قيادة الأمم» لسنا بحاجة إلى سماعة الطبيب، أو مسطرة المهندس في بداية الأمر، ليس هذا مجالها، وليس أوانها، نحن بحاجة إلى نظريات الفيلسوف وعالم النفس والاجتماع، ومعاييرهم ومقاييسهم، هذا هو الطريق إلى عالم النفوس وقيادتها، إنَّ كلمة مؤثرة، أو فعلًا محفِّزًا ناجحًا يُجيِّشُ شعبًا كاملًا لتحقيق الحرية أو التقدم، ويجعل الشعوب تبذل نفوسَها رخيصةً في سبيل ذلك!

أما العلوم التطبيقية فهي وسائل لتحقيق ما تُقرُّه العلوم الإنسانية وتقرِّرُه. وهي وسيلة رفاهيةٍ بعد التقدم. وتجويدٍ بعد الإنشاء والوضع.

سؤال الحل والسبيل

أزعم أننا وقعنا في «فخِّ» تضخيم الجانب المادي من الحضارة، وانبهرنا بتفوقهم فيه، فأردنا اللحاق بهم من الطريق الخاطئ، وأهملنا جانبًا مشرقًا في حضارتنا، يمكننا أن نؤسس عليه، وأن ننطلق منه نحو التصحيح والتقدم والارتقاء المادي كذلك، إنه الجانب الأكثر أهمية وهو «الإنسانية» أو قل: »الأخلاقية» وطريقها هو الاهتمام بالإنسان أولًا، والعلم ثانيًا، ليس تأخيرًا للعلم، بل تفعيلًا للمتاح، وابتداء بالأصل.

وإذا أردنا الطريق الصحيح فعلينا بدراسة العقل البشري ونفسِ الإنسان في حالة انفراده واجتماعه، وكيفية تربيتها، ومِن ثّمَّ استغلال العلوم التطبيقية للنجاح؛ استخدامها وسيلة لا غاية، ومن ثم يكون هذا هو المنطلق، وتلك هي المنصة المحركة، فيمكننا الانطلاق من «الرصيد الأخلاقي» الذي لدينا، ومعه اليسير من «الإدراك» العلمي، و«الكفاءات» البشرية العلمية والفلسفية التي يمكنها أن تخطط وتنفذ لتقلل الفجوة ثم تلحق بالركب، ومن ثم أيضًا تنحل العقدة وتنفرج الأزمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد