فقدان البوصلة

الإصرار على تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وإلا فإن من اعأع أسباب الفلاح والنصر كتابة العناوين الصحيحة الصريحة لأي معركة ومن ثم تكون تلك العناوين في متناول جميع شعوب الأمة السنية، وبذلك العنوان الصحيح الصريح نخرج أمتنا من الغفلة والسبات.

إن كيد أصحاب الوطنية منذ سقوط الدولة العثمانية إلى يومنا هذا لا يكاد ينتهي، مستغلين بذلك ضعف أهل السنة وتشتت أحوالهم، وليس هنالك كيد أعظم من تسمية الأشياء بغير مسمياتها، وذلك من أجل استدراجهم للزلل والخطأ والانزلاق دون وعي أو بصيرة، ذلك أن هؤلاء قد علموا أنهم إن أتوا أهل السنة من الأبواب فإنهم سيأنفون تلك الشعارات ويرفضون تلك الأهداف، ذلك أن النفس بفطرتها تأنف كل شين وتعاف كل إثم وخطأ،

ولكن حين تُزين الأسماء سوأة الأفعال، حينها تتسلل إلى النفس دون أن تتناقض مع ميزان الفطرة (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ). [1]

إن بعض من ينتمي إلى الإسلاميين التقليديين قد فشلوا في تقديم رؤية حقيقة عن تلك المعركة وفشلوا أيضًا في تحديد منهج التغيير والأسلوب الذي يجب أن يأتي بتلك الأفكار.

قديما قالوا: اذا عرفت نفسك وعرفت عدوك فالنصر لك وإلا…

إننا وفي ظل هذه المعركة يجب أن نطرح على أنفسنا، وعلى جمهورنا أيضًا تلك الأسئلة الملحة:

إلى أين نحن ذاهبون في هذه الحرب، وماهو الهدف منها؟!

هل هي حرب شرعية؟ واذا كانت كذلك فهل نحن ملتزمون بالشرع الحنيف؟

أم إننا لا ننادي بالشرع إلا حين تشتد فينا الأزمات.

أنا أدري، بل أعتقد جازمًا أن هذه الأسئلة مهملة عند الكثير من جماهير أهل السنة، فقد رأيت الكثير يريد التعايش بسلام بدلا من تحقيق مراد الله جل جلاله من دفع الباطل ونصرة الحق، مع أنه من إفرازات تلك المعركة أنه قد بدأ البعض من أهل السنة يستفيق، ومع هذا القليل من الوعي والقليل من النفير، فإن أكثر ما أخشاه، أننا ذاهبون إلى هزيمة ربما أشد من هزيمة السنوات التسعين الماضية، وما ذاك إلا لفقدان البوصلة والمنهج الواضح.

إن قيمة الانتماء الديني بدأت تنمو بشكل متصاعد، في حين تنحدر قيمة الانتماء الوطني والعرقي إلى الهاوية، ولكن برغم كل ذلك نجد بعض مشايخ الغفلة، ومنهم مشايخ الهيئة، يريدون أن يبعثوا الحياة في جثمان الوطنية الذي أصبح واضحا أنه يعاني الاحتضار، ومن ثم يسوقون عناوين لتلك المعركة على أساس تلك الانتماءات البالية، الأمر الذي يقودنا إلى خسران عريض، لأن جماهيرنا صاحبة الأرض والثروة، ليس لديها مشروع ولا فكرة ملهمة موحدة، ناهيك عن كوننا لا نملك دولة حقيقية تحمل قضايانا أو حتى قيادة جامعة تمثلنا.

وليست هذه هي المشكلة الوحيدة التي تعاني منها جماهير أهل السنة، بل إن هنالك مشاكل أُخر أكثر تعقيدًا، فالفراغ الاستراتيجي الموجود في أذهان تلك الجماهير وحتى النخبة سواء.. على صعيد الأفكار أو على صعيد المشاريع السياسية، هو الذي يجعل منها شعوبا مترنحة في كل محنة وفي كل أزمة، لا تحير جوابا ولا تلهم صوابا ولا تتوفر على إجابة واحدة عن ملايين الأسئلة التي تتعلق بذلك المستقبل وتحدياته.

وقانون التاريخ ثابت لا يجامل أحدا: إن من يفتقر لخطة مستقبلية فهو دائمًا جزء من مخططات الآخرين.

ومن شرط العناوين الصحيحة لتلك المعركة هو أن يكون قادتها من الفقهاء لا من الخطباء؛ ذلك أن الأمة التي يقود معركتها فقهاء فإنها تتقدم وتنتصر، أما الأمة التي يقودها خطباء لا يحسنون إلا التلاعب بالمشاعر والعواطف فإنها تبقى أمة ملتهية بالأماني حتى إذا جابهتها الأزمات الثقال، لم يفقه أولئك الخطباء ماذا يصنعون، وآل أمر الأمة إلى الفشل، ذلك أن الفقهاء يتميزون بمنهجيتهم وموضوعيتهم في رؤية الواقع، الأمر الذي يفتقده قطعا أولئك الخطباء.

إن من أعظم الأخطاء في تلك العناوين، هو أن أغلب النخب والتيارت والأحزاب المنتسبة إلى أهل السنة غير قادرة على إفراز القيادات المؤهلة والمناسبة.

وبين الإغراق في التشاؤم والإغراق في التفاؤل تضيع الملامح والمعالم ونبقى نمعن النظر نحو مقومات الحسم، ومن لوازم هذه المقومات ألا نضلل جنودنا ومجاهدينا في عناوين زائفة هائمة عائمة.

فليست الحرب اليوم من أجل قطعة أرض أو من أجل تحقيق بعض الامتيازات هنا أو هناك، وإنما هي حرب من أجل العقيدة، والذي يظن أنها غير ذلك فليتنحّ جانبا أو ليعلن عن مشروعه البديل.

أزمة خطاب مع أزمة فهم

لا يمكننا إغفال ذلك الفصام النكد بين علماء الأمة والعامة منها، فالعلماء لم يبارحوا بروجهم العاجية، ويأبون مخاطبة العوام إلا من تلك البروج، كما إن أولئك العوام قد زهدوا في ذلك الخطاب إلا من رحم ربك لأسباب يعز ذكرها في هذه العجالة.

الشعوب السنية لا تلتزم في الغالب خصوصا فيما يتعلق بقيادة الحشود وتكوين الجيوش إلا بقيادات عسكرية حكومية متغلبة، ولو استقرأنا التاريخ لوجدنا تلك الحقيقة مطردة وبشكل متصاعد، فكثير ما نرى أن الأمة تكون في حالة ضعف وهوان في فترة ما من فترات التاريخ، فيظهر الله عز وجل قيادة عسكرية تحوز ثقة الأمة السنية، فتقود الأمة من ذلك الضعف إلى حالة القوة والنصر، والشواهد على ذلك كثيرة أبرزها وأشهرها، ظهور قوة صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وقوة السلاجقة والمماليك وغيرها على فترات متقطعة من تاريخ هذه الأمة.

ما أريد أن أقوله: إنه ليس في التاريخ ما يشهد أنه وجد عالم من علماء أهل السنة من قام بتكوين الحشود وقيادتها إلا ما ظهر على يد شيخ الإسلام ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ومع ذلك فإن قيادة هاتين الشخصيتين لتلك الحشود لم يكن مستقلا عن القيادات التقليدية العسكرية أو ماتعتقده تلك الجماهير بانها مصادرة قيادية حكومية.

بعبارة أخرى: إن الجماهير السنية لم تعط العلماء تلك الشرعية في القيادة والتحرير ولأسباب تعود للطرفين، ومن ثم إن الثقافة السنية ولربما بسبب حالة الاستقرار الحكمي في أغلب العصور أو أن تلك الحكومات هي مصدر التوجيه والإرشاد خصوصًا فيما يتعلق بالأزمات لذلك نجد الشعوب السنية قد طبعت بطابع هذه الثقافة، بل إننا نجد إن هذه الثقافة صفة لازمة لتلك الشعوب.

الشيعة في العراق وكافة أرجاء العالم الإسلامي يمتلكون المشروع الواضح المعالم على مستوى العوام وعلى مستوى النخب، وهذا المشروع موجه نحو الأمة السنية دون سواها من الأمم، فالمشروع الشيعي مبدأه ومنتهاه هو استئصال الأمة السنية وليس سواها.

وضوح البوصلة لدى عوام الشيعة، بخلاف ماعليه عوام أهل السنة.

وجود الدولة الحاضنة التي تدافع عن هذا المشروع -المشروع الشيعي- وتدافع به.

الدعم الدولي والعالمي، بل وحتى الخونة من قادة الأمة السنية للمشروع الشيعي.

الدعم الإعلامي الدولي والعربي والإسلامي بقصد أو بغير قصد للمشروع الشيعي.

الدول الحاضنة عند الشيعة؛ ترأب الصدع وتلملم الشتات وتصحح اتجاه البوصلة وتضع القدم على جادة الطريق لمن ضاع من قدمه الطريق، أما الدول السنية فإنها تفرق أكثر مما تجمع وتضعف أكثر مما تقوي وتضر أكثر مما تنفع، إذ أن كل دولة من هذه الدولة تعمل وفق مصلحتها القُطرية دون النظر إلى مصلحة الأمة.

الموقف الموحد لدى المرجعية السياسية والدينية لدى الشيعة، وهم إنما ينطلقون من مشكاة واحدة ويصوبون النظر إلى هدف واحد، وهم يدركون إرادات العوام واهدافهم ومنطلقاتهم، وينطلقون منها ويعملون على تحقيقها، أما علماء أهل السنة فهم في واد وجمهورهم في واد آخر، بل إنهم لا ينظرون إلى الأمور إلا بعينٍ عوراء ومن ثم فهم معدومو النظر عند هؤلاء العوام.

القوى المسلحة عند الشيعة تعمل من خلال الانطلاق من قوة الحاضنة وتحصينها، أما القوى المسلحة السنية فإنها تعمل وبكل إصرار وغباء على استعداء الحاضنة السنية وتحطيمها.

الشيعة عندما خاضوا الحرب ضد أهل السنة فقد جمعوا الخصوم واسترضوهم ووحدوا الجبهات وانطلقوا إلى الهدف الأوحد ألا وهو قتال أهل السنة والجماعة دون سواهم. أما أهل السنة فعندما انطلق آحادهم إلى قتال الشيعة فإنهم لم يجعلوهم الهدف الأوحد أو على الأقل الهدف الأول، بل قاتلوا على مختلف الصعد والجبهات واستعدوا العالم كله فلم يتركوا جبهة أو مكانا إلا وأحدثوا فيه انفجارًا أو دمارًا وبذلك استحثوا العالم كله على استعدائهم. بل إنهم استعدوا حتى الدولة السنية التي تبغي لهم الخير.

[1] فاطر : 8

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد