غفلة مفرطة

إن ما يجري على أهل السنة بصورةٍ عامةٍ من ويلاتٍ ونكباتٍ، وتكالب الأمم والسادات، وإجتماعهم عليها بعد التفرق والشتات، قد وصفهُ النبي الأكرم بأبلغ العبارات، كما أنه صلوات ربي وسلامه عليه قد وصف الداء، بوصفٍ تسكبُ لهُ العبرات، فعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ. قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. [ مسند الإمام أحمد 45/278].

والحال يُغني عن السؤال، فقد استهدف الأمة اليوم كل أهل الضلال والكفر، من يهود، ونصارى، ومجوس، ووثنيين، وملحدين، كل منهم يسعى جاهدًا لإخماد بصيص النور الذي يصدر من بعض ثنايا هذا الجسد، وقد تداعوا عليه تداعي الأكلة على قصعتها، وما يمنعُ هذه الأمة من مقاومة أولئك الطغام، إلا إيثارها الدنيا على الآخرة، والموضوع على المشروع، والوضيع على المرفوع، وإلا فاضرب بطرفكَ حيث شئتَ من الناس، فهل تُبصر إلا هذا الفصام النكد، والذي يفصل بين طريق الدنيا وطريق الآخرة، وكأن ذلك ضريبةً مفروضةً على البشرية أو على الأمة السنية دون سواها، ومن ثَم ترى ذلك الشرود والتيه عن منهج الله تباركَ وتعالى، وإلا فحدثْ من بجانبك فهل تجد إلا قلبًا خاويًا، وخاطرًا مكدرًا، وشقاءً وحيرةً لاتنقطع، وما ذاك إلا لخواء القلب من العقيدة التي كان الجيل الأول الذي رباهُ النبي صلوات ربي وسلامه عليه يحملها، وهذا الفراغُ والخواءُ يمثلُ جوعًا لذلك القلب، لن تملأه جميع مذاهب الأرض الموضوعة.

ولقد صرحَ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاهُ بأن الأمة مصيرها الذل والهوان كما هو حالنا اليوم إن لم تَعرف وتَتّعرفْ وتَعمل وتَتَعامل مع دينها، وقد بين رضي الله عنه أن تلك سنةٌ كونيةٌ لا محيدَ ولا محيصَ عنها، ولو استقرأنا التاريخ منذُ أول يوم تولى فيه أبو بكرٍ رضي الله عنه وأرضاه، وإلى يومنا هذا، لوجدنا تلك الحقيقة شاخصةً أمام الأعين والأنظار’ كما الشمسُ في رابعةِ النهارِ، فعندما صدقَ سلفنُا الصالح مع ربهم ومع أنفسهم أتتهم الدنيا راغمة، وكانت في خدمتهم حتى السارحة من الإبل، ولقد صَدقَ سلمانُ عندما قال لسعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنهما (إن هؤلاء صادقون مع الله، ولذلك أيدهم وسخر لهم ‏البحر كما سخر لهم البر، وأخشى أن يأتي يوم يتخلى فيه المسلمون عن طاعة الله فيتأخر عنهم نصر ‏الله)، وقد بكى أبو الدرداء عند فتح قبرص، فقيل له: (تبكي في يوم نصر الله فيه دينه وأعز فيه جنده. ‏فقال رضي الله عنه: أبكي على حال هؤلاء الذين عصوا الله فسلطنا عليهم، وأخشى أن يأتي يوم ‏يقصر فيه المسلمون في طاعة الله فيسلط عليهم عدوهم)، ولا شك أن الحالة التي خاف منها سلمان ‏واليوم الذي أشفقَ منهُ أبو الدرداء هو ما وصلنا إليه.‏

فقدان الأمة لهويتها أو تنكرها لها، ذلك أن هذه الهوية هي التي تجمعهم على كلمةٍ سواء وتعصمهم من التفرق، وبها يحيون الحياة الحقيقية، وتزكو نفوسهم، وتستقيم أعمالهم وتقبل طاعاتهم، ومتى ما اختلت أو فسدت، انعكس كل ذلك على جميع شؤون حياتهم وأعمالهم، ومن شقوة الأمة السنية أن تفتش عن مواطن الضعف والخلل وأسباب العلل النفسية، في غير مقومات تلك الهوية، ولقد ظلت الأمة السنيةُ حقبًا طويلةً من الزمن صلبةَ العود مرفوعةَ الرأس، قوية الشكيمة، وقد كتب الله لها العز والتمكين، وكانت بحق خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، وما ذاك إلا لأنها كانت محافظة على تلك الهوية، فكانت كل خطواتها على هدىً، حركاتها وسكناتها مستضيئة بنور الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، فعنيت بكتاب الله حفظًا وفهمًا وتدبرًا وتعليمًا وتعلّمًا فنفذّت أحكامه وجعلتهُ المصدر الوحيد لشرعتها والسبيل الأقوم لهدايتها، والمنار والأمل لعصمتها من الأهواء.

وكان أشدُّ الناس معرفةً بتلك الهوية وتمسكًا بمقوماتها وأصولها هم الخلفاء الراشدون، ومن تابعهم وسار على نهجهم، فكان من نتاج ذاك كله أن أتتهمُ الدنيا راغمةً، وفتحت لهم الارض كنوزها واملاكها، فكانت عصورهم عصورًا زاهيةً شهدت الفتوحَ والانتصارات،

ولما فَقدتْ أو جَهلتْ الأمة هويتها، ضَعُفَ شأنها، بل إنها أمست كما قال نبي الرحمة صلوات ربي وسلامه عليه: أنتمُ يومئذٍ كثير، ولكنكمُ غثاءٌ كغثاء السيل. فتفرقت بعد الاجتماع، وضاعت هيبتها ووهنت عزيمتها ونال منها أعداؤها، حتى تداعوا عليها تداعي الأكلة على قصعتها.

إن الهوية الأكثر معنىً والتي تتعلق بالصراع هي تلك الهوية التي تخطها وتحوطها معالم العقيدة. ففي الحروب نرى ذوبان الهويات المتعددة. والتي تقومُ على أساس اللسان أو التراث أو اللغة أو الثقافة، وتصبح الهوية التي تقوم على المعتقد هي المنطلق وهي الغاية، بل إنه من خلال تلك الهوية تنطلق المصالح، والأفكار، والتصورات، ومن ثم الأرادات والأعمال.

إن عقيدة أهل السنة والجماعة والتي هي عقيدة الإسلام الصحيحة، ليس مجرد أيديولوجيا، وإنما هي علمٌ كليّ يشتملُ على وحي السماء الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، كما أن تلك العقيدة تحمل في جنباتها القيم والمثل التي تخطُّ لكل فردٍ منا سلوكه وترسم له منهجه في هذه الحياة بدءًا من أولِ شهقة حتى آخر نفس.

ولقد أدرك أعداء الإسلام ذلك التأصيل العظيم لتلك العقيدة، وأدركوا أساس هذا الاعتقاد، أَلا وهو القرآن والسنة بفهم سلف الأمة، فلذلك سعوا جاهدين مستقتلين لتغريب الأمة عن هذه الأصول الثلاثة.

إن أصل عداء الأمم والصراع القائم بينها، إنما يدور وجودًا وعدمًا على تلك العقيدة، لذلك فإن الغرب يسعى جاهدًا لتذويب المسلمين في مجتمعاتهم، وبالتالي ضياع تلك الهوية التي هي محور الصراع.

إن أشدَّ ما يمقته الغرب هو الهوية الإسلامية أو بمعنى أدق هوية أهل السنة والجماعة، والتي هي الممثل الأوحد لدين الإسلام والمسلمين، إذ إن تلك الهوية تمثل المرآة الصافية التي تنعكس عنها كل مثالب الغرب وعيوبه، وقد أدرك الغرب حقيقة هذه الهوية وخطرها الحقيقي من خلال النظام الذي تتضمنه، والعقيدة التي تحملها وتتبناها، وكذلك قدرتها على التوسع والإخضاع، مع الحيوية المستمرة والمتفقه؟ على طول الحياة وعرضها. كما إن تلك الهوية تشكل ذلك الجدار المانع لكل دخيل أو عميل، وإن المسلمين إذا عرفوا معالم تلك الهوية وأتقنوا العمل بها فانهم سيشكلون أُمة قوية لا تُقهر.

ومن هذا الباب فإن الغرب يرفض دخول تركيا للاتحاد الأوربي لا لشيء، إلا لأن تُركيا تمثل بعض سمات تلك الهوية، كما صرح بذلك الرئيس أوزال سنة 1992: سجل تركيا بالنسبة لحقوق الإنسان سبب ملفق لعدم قبول طلب انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي؛ السبب الرئس هو أننا مسلمون وهم مسيحيون.[1]

ولأن العقيدة هي التي تشكل قوام تلك الهوية، فان المتأمل سيجدها متميزة عن سائر الهويات في مخبرها ومظهرها، وإن هذا القوام هو السر في قوة وصلابة الأفراد المنتمين إلى تلك الهوية. ولم يأل أعداء الأمة جهدًا من أجل تشويه هذه الهوية وذلك من خلال طرق عدة وصورٍ شتى، ولأن أهم عناصر تلك الهوية؛ العقيدة الدينية، ثم التأريخ، ثم الحضارة فقد أنصب تركيزهم إلى تشويه وطمس معالم تلك الأصول الثلاثة وقد نالت العقيدة النصيب الأوفر من ذلك الجهد.

وكانت أُولى المحاولات تلك التي كانت مجتمعة بتعاضد اليهود والمجوس.. بعدما أكل الحقد قلوبهم لما يرونه من انتصار الإسلام وقوته في وقت كانوا ينظرون إلى العرب بعين الازدراء والاحتقار. والهوية هي العقل الجمعي لأي أمة، والذي بدونه لا يمكن أن تكون هنالك حياة.

إن هذه الهوية هي الجدار الصلب الصلد الذي يقف حائلًا دون تحقيق أطماع الشرق والغرب في هذه الأمة، لذلك فإن أغلى أماني اليهود والنصاري والمجوس هو تغيير أو طمس معالم تلك الهوية.

عدم حصانة الشعوب السنية: إن الشعوب السنية تفتقر إلى الحصانة الاعتقادية أمام الحركات الباطنية، وخاصة حركات وعقائد التشيع، وقد صرح بتلك الحقيقة الشيخ القرضاوي.

عدم العمل بمبدأ الولاء والبراء، والولاء شيء آخر غير المعاملة بالحسنى، بل هو ارتباط وتناصر وتواد، وهو لا يكون إلا للمؤمنين الذين يؤمنون بالله ويرتبطون به ويخضعون له ويتحاكمون إليه.

الاختلاف والتفرق: لقد حشد الله تبارك وتعالى في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46). معانٍ وإيحاءاتٍ وقواعدَ وتوجيهات وصور ومشاهد، تشخّص الموقف من أي معركة مع أي عدو وتكشف لنا الخواطر والمشاعر والضمائر والسرائر، وكل ما يؤدي إلى إضعاف القوة، ويجعل اليد مرتعشة، والقلب خاويًا ومضطربًا.

وعوامل النصر كما نرى جليًا في هذه الآية: الثبات عند اللقاء، والاتصال بالذكر، والطاعة المطلقة وتجنب النزاع، والصبر على تكاليف المعركة، والحذر من البطر والرياء والبغي.

وما يتنازع الناس إلا بعد أن تتعدد جهات القيادة، ومآربها، أو حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الأفكار والتصورات والإرادات والأعمال، وليس ما يثير النزاع اختلاف وجهات النظر، وإنما الهوى الذي يجعل كل صاحب هوى يصر على ما هو عليه، وتصبح ذاته صنمًا معبودًا في تلك الحال.

الإصرار على خوض المعركة بشكل قطري.. مع أن أعداء هذه الأمة يخوضونها بشكل أممي، وعلى أساس عقائدي، بل إن الأمر قد تعدى هذا الإصرار، بل نرى الكثير من الأقطار الإسلامية السنية تحارب التوجه الأممي للشعوب السنية، فيرجفون بهذه الأمة ويبددون طاقاتها.

الإعلام الإسلامي المسيس والذي لا يخدم إلا توجهات وأهداف محلية أو قطرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد