– ألم أقُل لكِ لو بقيت المُرابطات في منازلهن ورابطن بالدعاء لكان خيرًا، الأقصى لا يحتاج ازدياد أعداد النساء خلف القُضبان، ماذا أضفن للقضية بذلك! أما علمتِ أنّ خديجة خويص وهنادي حلواني لا يسمح لهن بارتداء الحجاب إلّا عند الدخول لقاعة المحكمة! كن في غنى عن هذا.. لقد خلعن الحِجاب!

_بل لقد خُلِّعن الحجاب.. ولُطفًا اخلعي حجابك.

هذا نصٌ حرفي من حواري مع إحدى الفتيات التي تعيش في فلسطين، جمعني بها الموقع الأزرق وكانت كثيرًا ما تكتب عن الوطن والإنسان والحرية، صفحتها انتفاضة، ولكن من المتناقضات العجيبة أنّها تكره المُرابطات، وتعتبرهن عبئًا على الأقصى، ولا ترى لوقوفهن الشامخ أي معنى يُذكر.

تُرسل تلك الرسالة كمن أحرز انتصارًا ما، ولم أتعجب من ذلك، فكيف سيفهمُ الإنسان الذي لم تمتلئ عيناه بقبة الصخرة ممزوجةً بتراتيل مُصحف ما في تلك العيون من انتصار ودين ووطن؟ كيفَ سيعرفُ ما في موازين الله من أجرٍ على قيدٍ سقفهُ أبواب السماء وأرضهُ موطئ جنّة؟ كيفَ سيصدقُ أنّ الأرض التي يُنجسها السجان لهم هي لجِباههم طاهرة وصالحةٌ للصلاة؟

“قيلَ لها الزَمي بيتَك، أمسكي عليكِ لسانك، اهجُري البوابة، لا تقفي فيه كالباكية ، لا تنتصبي في مداخله كالمئذنة، دعيه يُقسّم، لا تأبهي لتدنيسه، لا تجلسي بمصاطبِه، لا تشربي مِن سُبُلِه، لا تحملي مصحفًا بينَ أروقته، لا تُكبّري.
فقالت: (السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه).
أنقلُ هذا من صفحة المرابطة خديجة خويص، لعلّها بذلك أسكتت أفواهًا كثيرة كانت، وما تزالُ تنعق، وتُضيف ممازحة في تعليق على المنشور المنشور نفسه: ”نسيت.. ولا تُحضري المقلوبة”.

ياه، أي قلوب قلوبهن! أي صبرٍ صبرهن! بالله هل يرون ما نرى! أكادُ أُقسم أن عيونهن وهي تتحرك في ساحات الأقصى ترى أشياء مُختلفة، كلّ الناظرين تُحلق فوق رؤوسهم حمائم، إلّا هن تُحلق فوق رؤوسهنّ طيور جنة.

إنّ الحروف في حضرة العظماء تتقزم، تُصبح ركيكةً ناقصةَ المعنى دائمًا؛ لأن المعنى الكامل كان عملًا، ربّما تخشى هذي الحروف أن تُسأل أمام الله، ماذا قدمت، فرضيت بصغرها، حتى تقول أمام العالي إنّها حاولت، وستبقى تفعلُ ذلك بلا أية نتيجة.

دائمًا كلّما مرّت صور المرابطات أمامي يأتين بما لذّ وطاب، ويأكلن سويًا في ساحات الأقصى، ويتقاسمن الضحكات التي لا تنتهي، يشدّ بعضهم أَزر بعض شركاء في أمرهم، ما بين تكبير وتسبيح وتهليل، أقول في نفسي: “يا ليتني كنت معكن”، واليوم كلّما قرأت عن محاكمة المرابطات من تأجيل في الحكم ومن وصفٍ لما يعانينه داخل السجن، حيثُ تدمع العيون على سطورٍ وصفت الأذى، فكيف بالذي هُناك تأذى! ولكنّي أيضًا أقولُ في نفسي: ”يا ليتني معكن”.

ومرّة أٌخرى أهديكن العبارات ذاتها: “اجلعنني في كفّكن حجرًا، أو امسحن بي طُهر جبينكن، سوف أُئذن في الحياة معكن، أسقطوا نجوم السماء وأنتن تعلون، لا شيء يعلوكن.
قف هُنا حيِّ النساء، وقد أدركن أنّ النصر لا يعني أن تُنجب جيلًا يحمي الحِمى وحسب، بل يعني بالضرورة أن تكون من يحمي الحِمى قَبلهم، سلامٌ عليهن وقد جاهدن في نفس المكان مرتين”.

من قلبوكم تطلُّ علينا أبوابُ نور، وقد أديتم الأمانات جميعها، ورفعتم عنّا فرض العيَن بالكفاية، وها نحن نرفعُ عنكم ثقل القيد بدعاء يعبر ابواب الحدود والسجون إلى سماء الله، حيثُ القدرة المطلقة والعدل المُطلق نسألهُ أن يهبنا من عظيم كرمه كلمة “كُن”، فيكون الفرج والابتسامة وروائح الطعام في الساحات مرّة أخرى.

إلى كلّ الواقفات بعيدًا عن الحق، إلى الفتاة التي عرفتها في العالم الأزرق، لو خلعتن الحجاب لحررتن مسجدنا منذ زمن “لطفًا اخلعوا الحجاب”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد