ما بين الفيلم والرواية وقصص غريبة وساحرة أخرى

الفيلم يدور حول ج.د. سالنجر وهو الكاتب الأمريكي المعروف صاحب رواية الحارس في حقل الشوفان والتي تعد من أهم كلاسيكيات الأدب العالمي والتي تخطت مبيعاتها 70 مليون نسخة حتى الآن وتعد من أهم الروايات التي غيرت في شكل الأدب العالمي وأسلوبه وتقارن دائمًا برواية يوليسيس لجيمس جويس، والرواية تتحدث عن شاب مفعم بالغضب والحزن والرغبة في العزلة ويسعى ليعيش في الغابة وأطراف المدينة بعيدًا عن صخب الدنيا، ويرى أن لا يوجد غير الأطفال الفقراء هم الأبرياء والحياة لم تلوثهم، وتعد من أهم الروايات التي تتمتع بصوت الغضب والهجوم وعبرت عن الشباب وبلده ونفسيتهم بعد الحرب العالمية، وقد شارك سالينجر في الحرب وكانت كتابة الرواية وتخيله لشخصيتها معه في الحرب هو سبب نجاته من الموت، فقد نأى بنفسه عن الموت مرات عديدة والمخاطرة من أجل كتابة ونشر روايته تلك، وكانت كتباتها صعبة عليه فقد كانت تعيد ملامح الحرب ورائحة الدماء والثلج ومشاهد أشلاء الجثث في مخيلته وترهقه وتأتيه في كوابيسه فلم تبرحه يستقر ولا يهدأ حتى فرغ منها ليتخلص من الجزع الذي انتابه كوسيلة للعلاج من تلك الذكريات المؤلمة.

لكن ما علاقة كل ذلك؟

الفيلم يتمحور حول حياة سالنجر المفعمة بالأحداث الهامة والمشاعر والطموحات والحزن ويعبر حتى الآن عن الكثير من الناس الذين يشعرون بأنهم في عزلة وغرباء، يعبر عن أحلام الشباب وحياتهم ونفسهم حتى الآن، الفيلم يتحدث عن سالنجر الذي لم يكن يهتم بالدراسة ولم يؤمن به والده وكان هناك بعض الإيمان من أمه، وقد ارتحل للجامعة لدراسة الكتابة والأدب وتعرف هناك على أستاذ بعد موقف مضحك وشيق بينهم وبدأ يساعده في تنمية أسلوبه الأدبي وكان من أشد المؤمنين به، وكان يسعى لتنمية صوته الأدبي القوي وأسلوبه، ويرينا كيف قوى من عزيمة سالنجر حينما رفض قصصه عدة مرات وأعطاه دروسًا عديدة ونشر في النهاية أول قصة بعثها سالنجر له بعد أن تأكد من موهبته، وكيف أستاذه قد دفعه دفعًا بعد قراءة قصة أني جعل بطلها له رواية كاملة لأنه يستحق ذلك، ويرينا مساعي الفشل والإحباط والرفض في كل مرة والمرح والسخرية التي يمتلكها سالنجر حتى يرتحل للحرب وهناك يتخيل الشخصية معه ويعجز عن الكتابة بيده لكنه يستمر بعقله محاولًا أن يكتب بوعيه ولا وعيه في آنٍ واحد.

ونرى مشاهد الحرب وتأثيرها عليه وكيف تعرض للموت مرات عديدة وخوفه منه وسعيه الدائم للبقاء حيًا من أجل عمله الفريد الذي يتوق لإنهائه، وفيما بعد يرى كيف تركته حبيبته لتتزوج من شارلي شابلن ويعود فيما بعد لنشر عمله وتتوالى الأحداث والمتغيرات في حياته، وكيف اعتلاه العنف وكيف صارت نفسيته مدمرة وحياته في مهب الريح، وكيف صارت على حد قوله «الكتابة دينه». فلم يقوَ عن الاستغناء عنها ولم يقدر أن يصير أبًا ولا زوجًا، فقط كاتب وإن لم ينشر ويستمر في حياته ويقوم بما قام به شخصية روايته ويرتحل للغابة ويختفي عن الظهور وعن النشر وعن الصحف حتى يتوفى عام 2010 عن عمر يناهز 91 عامًا، ويبعد عن صخب الحياة وعنفها وعن وحشيتها والنفوس الشريرة، والبشر الذين ما عادوا يصيرون أبرياء، ونرى أيضًا تعرضه للخيانة عدة مرات في العمل وكرهًا للناس عدة مرات، ونرى كيف تحول لبطل وشخصية شعبية وعالمية، وصار أناس يطاردونه ويرتدون قبعة حمراء كما في وصف الرواية ويصير مطاردًا ويرى الجميع نفسه هو بطل روايته.

لم يحتمل سالنجر أي رأي حول عمله سيئ لأنه كان يرى أنه هو ذاته، ولم يحتمل نظرات الكره لبطل الرواية التي تعكس نظرات الكره لحقيقته.

من أهم مزايا الفيلم هو نقله حياة الزيف التي يعيشها الكبار وغير العادلة والمليئة بالخيانة وفقدان البراءة، وما تصنعه الحروب فينا وكيف تهدد حياة الناس وتدمر حياتهم وإن نجوا منها، وتصير مناظر الجثث جزءًا من مخيلتك وحياتك وتصير رائحة الدماء عالقة، كيف تدفع الحرب الناس للجنون وتدمر مستقبلهم وتذهب راحة الليل عنهم ويحل محلها الأرق والتعب والتوق للراحة والخلاص بأي وسيلة ولو مؤقتًا.

وكان تجسيد سالنجر موفقًا فنجد البطل مرحًا ومؤثرًا وقد يدفعك للبكاء تعبيراته القوية والصادقة والمتكاملة في كل مشهد ويجعلك تتوحد مع العمل بشكل مذهل بالإضافة لكيف يجعل مثلًا يده ترتعش كيف يظهر فجأة انقلابه وحزنه وغضبه، واحتقانه في أداء صادق للغاية وكأنه هو سالنجر ويجعلك تذوب مع الفيلم كقطعة حلوى فلا تشعر بالوقت وتقع في ثقب أسود وتلتهم مشاهد العمل.

الموسيقى في الفيلم جيدة والجمل واختياراتها في الوصف وأبعاد التقاط المشاهد والتقائها معًا أحيانًا ساحرة، وأداء كافة الممثلين مبهر ومتقن وصادق ويمتلئ الفيلم بالمرح والجمال والمتعة في كل دقائقه ويركز على نفسية المشاهد وعقله معًا، ويجمع كل الحواس بطرق متعددة وهنا مهارة المخرج داني سترونج وقدرته على إخراج عبقرية الطاقم كله.

ويذكر أنه قد اشتهرت رواية الحارس في حقل الشوفان وكلمة الشوفان هنا تعني التسكع حسب ما سنرى من الفيلم قد اشتهرت بأن جون لنيون المغني المعروف مغني في البيتلز المعروف قد قتل من أحد معجبيه وقد أحب أغانيه وأعماله كلها وقد أطلق الرصاص وظل ينتظر قدوم الشرطة وفي أثناء ذلك وكان يقرأ حينها رواية الحارس في حقل الشوفان، وقد قام العديد من الناس بالحديث عن تخبط نفسية القاتل يرجع لذلك العمل، قد اقترن الاضطراب في حياة الجميع لفترات طويلة من الكبار والمراهقين.

الفيلم ساحر والرواية بديعة وقصة سالنجر وحياتة مدهشة ومثيرة ومؤلمة للغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد