تحدثنا في المقال السابق «افتخري.. فأنت أنثى»

عن علاقة الأنثى بالأديان والنصوص الدينية، وكيف وضعت الكثير من هذه النصوص – في جميع الأديان-  المرأة في صراع كبير لإثبات الذات، إضافة لمحاولات بعض رجال الدين وضع المرأة في معادلة خبيثة، فإما أن ترضى وتقر وتعترف بنصوص تسلب حقوقها وحريتها، أو أن تكفر بالنصوص وبالتالي تكفر بخالقها، ولكون المرأة كائنًا له حقوق وواجبات شأنها شأن الرجل، أشرنا إلى أهمية أن تتخلص المرأة من هذه المعادلة الصعبة، واليوم سنكمل الحديث عن التحدي الثاني الذي يواجه المرأة في عالمنا العربي وهو الأسرة.

وهنا، استخدام لفظ التمرد في عنوان المقال لا يعني بالضرورة الصراع والحرب، ولكن المقصود بالتمرد هو رفض الانكسار والقمع الممارس ضد الفتيات من قبل أسرهن وعائلاتهن، بالوسائل السلمية من إقناع وحوار وغيرها، والمطالبة بالحقوق وانتزاعها بشتى الوسائل إذا لزم الأمر، ومقابلة العنف الأسري بالتمرد لا بالاستسلام.

من خلال معرفتي بعدد كبير من هذه الفتيات اللاتي عانين من القمع الأسري، الذي أجبرهن على ترك المنزل والهروب منه، تتفاقم أزمة تلك الفتيات، في ظل عدم مد أي من الأقارب أو المجتمع يد المساعدة لهن، خاصة مع غياب منظمات المجتمع الوطني عن المشهد، وكذلك ضعف تنفيذ القوانين التي تبقى حبرًا على ورق، بل على العكس في كثير من الأحيان تتواطأ أجهزة الأمن مع أسر الفتيات، بالرغم من خظورة ذلك على حياة تلك الفتيات، فرجال الأمن في كثير من الحالات يتأثرون بالموروثات الثقافية، ويعتقدون أنهم يقدمون خدمة للأسرة والمجتمع.

بالطبع، لن تنال الفتاة أي تعاطف من المجتمع؛ بل على العكس ستزداد التحرشات بها، ومحاولات استغلالها جنسيًّا من مجتمع يدعي الفضيلة والشرف، وستوصف في كثير من الأحيان بالعاهرة، ويرفض الزواج منها لأنها امرأة متمردة «خرجت عن طوع أهلها» فقط لمغادرتها منزل أهلها. علمًا بأنها فتاة تتجاوز الـ 21 من عمرها، وتعامل بكل عنف نفسي وجسدي من قبل أسرتها، ولكن مجتمعاتنا لا تتعاطف مع مثل هذه الانتهاكات، ويعتبرونها حقًّا أصيلًا للأسرة، والسؤال هنا؟ هل يجب أن يملك أحد الوصاية على شخص آخر بعد بلوغه السن القانوني؟! بالطبع لا، فكل شخص مسؤول عن حياته الخاصة فهي حياته وليست حياة والده أو شقيقه أو أي شخص آخر، فعندما يعاني الشخص نفسيًّا أو جسديًّا لن يزيح عنه أي شخص هذه المعاناة، وواجب الأسرة بعد سن البلوغ القانوني ينحصر في إطار التعاون والنصح، أما إذا كنت تظن من نفسك وصيًا على ابنتك أو شقيقتك بعد بلوغ سن 21، فاسمح لي أن أخبرك بأنها تكون مؤهلة للوصاية عليك لا العكس، وإذا ما كنت فشلت في تأهيل ابنتك كي تكون راشدة وقادرة على الاختيار السليم منذ أن تعلمت النطق بعقل فارغ يبحث عن من يتعلم منه، وحتى بلوغها سن 21، فأنت يا عزيزي غير مؤهل للوصاية على أي مخلوق كان.

دعوني أسرد لكم بعض أوجه التخلف الفكري في التعامل مع فتياتنا منذ يومهم الأول، فمثلًا جميعنا يعلم حجم الحزن الذي يعتصر قلب كل رجل في المجتمعات الريفية بمجرد علمه بأن المولود المنتظر أنثى، كثير من الأشخاص المتعلمين للأسف ما زالوا يتأثرون بمثل هذه الموروثات الثقافية، ونجد المواساة السخيفة تتردد على الألسنة: «معلش البنات رزقهم واسع»! اللعنة عليكم، هل تواسون أنفسكم بالرزق لأنها أنثى؟! إنها كأنثى هدية لا يعرف قيمتها إلا القليلون!

منذ اليوم الأول يتم وضع الأنثى ضمن أحجية العار الشهيرة، فيرفض الأب أن ينادى بأبي منى أو أبي سارة مثلًا، ويصر على اختراع اسم ذكوري «أبو محمد مثلًا» كي لا ينادى باسم ابنته! هل يتوقف الأمر عند ذلك؟ بالطبع لا، فمثلًا عندما تنزل الفتاة إلى الشارع لا يتم مناداتها باسمها، وكأن معرفة الاسم عار سيصيب الأسرة، ويتم مناداتها باسم شقيقها الأكبر أو والدها، هل هناك شعور أحقر من عدم مناداتك باسمك لأنك عار على الأسرة؟! بالطبع الأمر يتم توارثه فيرفض الأبناء ذكر أسماء أمهاتهم أمام أصدقائهم.

منذ اللحظة الأولى لمولد الفتاة يتم قتل كل روح أنثوية فيها؛ خوفًا من التورط في علاقات جنسية تجلب العار على الأسرة، فقبل أن تدرك المعاني الجنسية وفكرة الجماع، يتم ارتكاب الجريمة الأولى وهي ختان الفتاة في أعوامها الأولى، ووفقًا لآخر الإحصائيات فإن ما يقرب من 90% من الفتيات في مصر، خاصةً في الصعيد يتم ختانهن، وهو ما يسبب الكثير من التأثيرات النفسية والمجتمعية والجسدية على المرأة مدى الحياة، وفي علاقة السيدات بأزواجهن، وهو ما سنتحدث عنه لاحقًا، وللأسف الشديد برغم تشديد العقوبة على ختان الإناث في مصر، فإنه من الصعب الإمساك بمرتكبي هذه الجريمة في ظل التواطؤ الأسري.

تستمر معاناة الفتيات وتزداد يومًا بعد يوم، فغير مسموح للفتيات استخدام «الشطاف»، أو ركوب الدراجة، أو الخيل، أو القفز، أو… خوفًا من أن تفقد عذريتها، مما يزيد الشعور لدى الفتيات بوجود خطأ ما لمجرد أنهن فتيات، وربما يتم فرض الحجاب على فتيات في سن خمس سنوات مثلًا، وأيضًا قتل أي تواجد أنثوي داخل الفتاة، فلو حاولت الفتاة ذات الأعوام الخمسة مثلًا الرقص ربما يتم نهرها بلفظ «عيب»، حتى ولو حاولت الفتاة «الدلع» ولو على والدها يتم نهرها «استرجلي»، ومطالبتها بالتصرف كالأولاد، بالطبع لا نطالب بأن تقوم الفتيات بأداء الإغراء مع الغرباء، ولكننا من خلال كل محاولات التخويف المستمرة يتولد لدى الفتيات شعور تلقائي بالنفور من طبيعتها التي خلقت عليها ككائن ناعم رقيق يتميز بالحنان، لتتحول الفتيات لأقرب ما يكون للشرطي الآلي حتى في فراش الزوجية، ليتحسر الرجال على ذكورية زوجاتهن مقارنة بالأجانب اللاتي يشاهدوهن في الأفلام الأجنبية، وكان ما يحدث ليس من صنع أيديهم؟!

إن مثل هذه الممارسات تغرس لدى الفتيات الشعور بالدونية، أنا أعلم عددًا كبيرًا من الفتيات قاموا بإيذاء أنفسهن في أماكن حساسة من خلال جرح أنفسهن وتشويه أجسادهن لنفورهن من أنفسهن كإناث، ووصل الأمر ببعض الفتيات إلى فض بكارتهن بأيديهن انتقامًا من القمع الممارس عليهن.

اوجه التفرقة بين الذكور والإناث في نفس المنزل عديدة، فلا يسمح للفتاة بالخروج مع أصدقائها، ولا النزول، ولا السفر إلا بصحبة أحد ذكور الأسرة، ولا يسمح لها برفع صوتها، كما يمنح الأولاد في كثير من الأسر المصرية مميزات عديدة لمجرد كونه ذكرًا على مستوى المصروف، وكذلك على مستوى التعليم؛ حيث ترفض أسر كثيرة الإنفاق على تعليم الفتيات بالرغم من تفوقهن على أشقائهم الأولاد دراسيًّا وعلميًّا، ويتم المجاهرة بذلك وكأنه أمر منطقي، كما تتضح التفرقة أكثر في مواعيد النزول والعودة للمنزل، هذا إن سمح لها أن تفعل ذلك دون تواجد «محرم»، حتى ولو كان هذا المحرم أخًا يصغرها بعشر سنوات يعجز عن السير، ولكنه يسير بجانبها متحكمًا في أخته الأكبر منه بسنوات كثيرة، وهو من يقرر إنهاء «الخروجة» وإعادتها للمنزل، وتهديدها بالانصياع له في تعامل مهين، وكذلك بالتحكم في ملبسها وما إلى ذلك.

كما تعاني الفتيات من المحاولات المستمرة من قبل أسرتها لتزويجها والتخلص من عبئها المادي، والستر عليها كما يقولون، فينحصر تفكير الفتيات في العريس المستقبلي، وكأن الحياة بالنسبة لها متوقفة على زوج دون وجود أي أسباب أو أحلام أو أي شيء آخر يمكن أن يفعله هذا الكائن، الخطير في الأمر أن أي محاولة للتمرد على هذه الأوضاع تواجه غالبًا بالعنف للأسف الشديد.

هل تتوقف المعاناة عند هذا الحد؟ بالطبع لا. فمع وفاة الوالد وتقسيم الميراث، يتم حرمان الكثير من الفتيات من ميراثها في بعض المجتمعات الريفية العربية، أما إذا بلغ العدل منتهاه فإن الفتاة ستحصل على نصف نصيب الذكر، أما إذا لم يكن لها أشقاء من الذكور فإن الأعمام والأقارب يدخلون في الميراث في ظلم بين وانتهاك وتفرقة بين الذكور والإناث، مستندين إلى نصوص دينية تمنع الأنثى من المساواة بالذكور في بعض المواضع، متناسين أن الغرض الأساسي لذلك وفق تفسيرات جميع رجال الدين أن القوامة للرجل، وبأنه ملزم بأن ينفق على أشقائه البنات وأسرته، ولكن للأسف أنا أجد هذا القانون ظالمًا، نظرًا لأن القانون يجبر الأنثى على التنازل عن جزء من ميراثها للرجل، دون وجود أي بند في القانون يجبر الأخ أو العم على الإنفاق على الفتيات في الأسرة، بل على العكس مع تطور الزمن أصبح كثير من الفتيات تعول أشقاءها الأولاد، وفي بعض الأحيان أزواجهن أيضًا، فيجب أن تتم مراجعة القوانين في عالمنا العربي مرة أخرى، لن أدعي الملائكية، فأنا شخصيًّا حصلت على ضعف إرث شقيقاتي عند وفاة والدي، ولكن اليوم وبعد إعادة تفكير أتعهد بأنني لن أكرر هذا الموقف مرة أخرى في أي ميراث قادم، مع التزامي برد الفارق الذي حصلت عليه لهن في أقرب فرصة ممكنة.

في النهاية أدعو الفتيات إلى التمرد على كل أوجه الظلم الواقع عليهن، وأدعوهن إلى الاعتماد على اللين والحوار والإقناع مع أسرهن، وتجنب الدخول في مواجهات عنيفة قدر الإمكان، ومحاولة تغليب العقل في الحديث مع آبائهم وأمهاتهم وإخوتهم، عسى أن يشرح الله صدورهم للعدل، وفي حالة ازدياد القمع وتطوره إلى العنف الجسدي، فمن حق هذه الفتيات التمرد وترك المنزل أيضًا إذا ما أتيحت لهن الفرصة، وأنا أعرف عددًا لا بأس به من الفتيات قمن بذلك وحافظن على أنفسهن بصورة أفضل من تلك التي كانوا عليها مع أسرهم، ويجب أن يعلم الجميع أن الفتيات إذا ما أرادت الانحراف فلن يثنيهن عن ذلك أحد، فالمرأة قادرة على خيانة زوجها وهو نائم بجوارها في الفراش، لذلك اللين والمعاملة الحسنة هي التي تضمن إخلاص الفتيات لأسرهن وأزواجهن، على عكس العنف الذي يأتي غالبًا بمردود سلبي.

*ملاحظة: في حالة محاولة الرد على المقال بنصوص دينية أرجو مراجعة المقال السابق: افتخري.. فأنت أنثى.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنثى, مرأة
عرض التعليقات
تحميل المزيد