في بيت كل منا وبين جدران كل منزل يدور حوارٌ صامت وسري بين كل أب وابن وبين كل فتاةٍ وأم. فلسان حال الابن يقول: لا أريد أن أصبح مثلك يا أبي، بل لا بد أن أختلف عنك وتصبح لدي شخصيتي المستقلة وآرائي الخاصة في كل الأمور.

أما لسان حال الأب فيقول: يجب عليك أن تتفوق على كل ما فعلته أنا، فلطالما أردتك أن تصبح أفضل مني. وتقول الفتاة لأمها: لم يعد الزمن زمانك يا أمي، فأنا الآن تلك الأنثي الفاتنة التي تتفوق بجمالها وصغر سنها. ولا يلبث لسان حال الأم أمن يقول: أتمنى أن تصبحي أفضل مني وأجمل لكن دون أن تفرطي فيما تربيتي عليه من عادات وتقاليد. فترد البنت قائلة: إن حياتك كلها لا تعجبني، وأنا لا أريد أن أقلدك في أي شيئ، سأخرج بطائرة حياتي عن ذلك المدرج الضيق الذي تعيشين فيه.

إن أمعنت النظر قليلًا في كل تلك التصرفات للاحظت أن كل تلك الكلمات ولعلمت أن هذا المقام ليس مقام كلمات وإنما هو حوار سلوك ينتج عنه ملاحظة الأب والأم لتمرد الأبناء.
 فربما يتولد ذلك التمرد في صور مختلفة كعدم ترتيب المكان الذي يعيش فيه أو الظهور بمظهر لا يعهده أفراد الأسرة، أو حتى تشجيع الفريق المنافس للفريق الذي يشجعه الأب أو مناصرة ذلك المرشح السياسي الذي لا يناصره الأب. أما الفتاه فيظهر تمردها في طريقة تصفيف شعرها أو طريقة كلامها حتى أنها تعارض وترفض كل الملابس التي تشتريها أو تختارها لها الأم وذلك ليس لأنها لا تحب الذوق الذي تفضله الأم بل لأنها تريد أن تتفرد بنفسها واختياراتها لتشعر بأنها مسيطرة على حياتها بطريقة أو بأخرى.


أما التمرد العام والذي يشترك فيه الشاب والفتاة: فهو تمرد اختيار التخصص الدراسي وذلك لأن غالبًا ما يرى أولياء الأمور أنه من المناسب أن يختاروا لأبنائهم ما يدرسون لتحديد ما سيصبحون عليه في المستقبل، ولا يكون ذلك إلا من وجهة نظر الأب والأم فقط لأنه وكثيرًا جدًا ما يختلف عن طموحات الأبناء. وفي بعض الأحيان حتى وإن كان الأبناء يميلون إلى دراسة تخصص معين ولكن بضغطٍ من الأهل على دراسة نفس التخصص يفضل الشاب أو الفتاة دراسة تخصص مختلف بحثًا عن ذاته وشخصيته في الاختلاف وإبداء الرأي. لكن مثل هذه التمردات والاحتجاجات لا تنفي أن الابن يحترم أباه وأمه ولا يقلل من قدرهم على الإطلاق وإنما هو نوع من الشعور بالسيطرة والاستقلال لا أكثر.

فالأب في نظر أولاده يملك الكثير من الحقوق والتي تبيح له فعل ما يريد واختيار ما يرتاح له قلبه على النقيض تمامًا من حال الابن في المنزل الذي يُظهره كتابع لا يملك قرارًا ولا يعطيه حقًا في إبداء الرأي. 

أما البنات في سن المراهقة وخاصةً في المجتمعات المُحافظة فترى أن سلوك أمها هو نوع من الرجعية وتبدأ تساؤلاتها التي لا تنتهي والتي تتلخص في لماذا تفعل أمي ذلك؟ ولماذا تملك هي وحدها الحق في تحديد واختيار ما يؤكل في المنزل فترى البنت أنها ليست لها قيمة أو حتى لها رأيًا في اختيار ما تأكل.
 لكن تمرد المراهقة ذا بناءٍ ضخم خارجيًا ولكنه مفرغ من الداخل، فيستأنف الابن تمرده لأنه أصبح ناضج الحجم فقط فيخيل له أنه قد أصبح ناضج الخبرة أيضًا. فيتدخل في كل صغيرة وكبيرة محاولًا إبداء رأيه. أما الفتاة فتبحث عن نواحي نقص وتقصير الأم في المنزل كتزيين المائدة بأكلات تراها في التلفاز في محاولةٍ للفت الانتباه إلى أن هناك فتاةً أخرى أكثر جمالًا وأعلى قدرًا في ذلك المنزل.



لكن بعد كل ما يحدث في العالم الآن من المناداة بالحريات والاستقلالية، فإن الكثير من الآباء والأمهات يحاولون وبكل الطرق أن يكونوا أقل سطوةً وسيطرةً على الأبناء، محاولين أن يظهروا بمظهر الكريم في العطاء، المُلبي لكل طلباتهم. كاتمًا غضبه مسيطرًا على شعور نفاذ الصبر الذي بداخله ليحافظ على الجو العام في المنزل وليبقي على تلك العلاقة الحسنة بين الابن وأبيه.

 ولا يمكن أن ننسي أن هناك أنواعًا من التمرد المصحوبة بطباعٍ سلبية حتى وإن كانت تنبع من الرغبة في الاحتياج مثل ارتداء ملايس رياضية في مناسباتٍ رسمية أو الذهاب إلى المدرسة بمظهر غير لائق أو ملازمة أصدقاء سوء من الذين لا يعرفون بصلاحهم أو اعتدالهم فقط لمعارضة الآباء.


أما من بعض مظاهر التمرد الإيجابي هو أن يختار الابن هواياته بعيدًا عن طموحات الأب، فربما أحب الكرة ووالده لا يرضاها وربما أحب كمال الأجسام في مجتمعٍ منغلق. أو حتى بما اختارت أن تفعل الفتاة في ظل جو أسري ومجتمعي لا يشجع على ذلك.
 لكن كل هذا يعد في صالح الشاب أو الفتاة وذلك لأن اختيار هواياته هو جزء أساسي من شخصيته وهو كل ما يميزه عن غيره. وعلى هذا فعليه اختيار أركان تلك الشخصية بنفسه ليحدد بنفسه الشخص الذي يريد أن يصبح عليه في المستقبل، ولا يعني هذا نوع وظيفته المستقبلية أو هواياته فحسب، بل ما يحدد شخصيته الشاملة ككل.

ولبناء الشخصية عناصر ثلاث يجب توافرها.

١- عناصر شخصيته السابقة التي اكتسبها أثناء الطفولة

والتي تشمل كل تلك المواقف التي قلد فيها الابن أباه وحاولت فيها البنت مجاراة كل ما تفعله والدتها، ولا يعد هذا إلا انخراطًا في شخصية الأبوين لا أكثر. لكنه لما نضج حاول جاهدًا أن يتخلص من كل تلك العادات والسلوكيات التي تربى عليها مع أبويه باحثًا عن الاستقلالية والتفرد فيما يساعده في تجنب كل تلك المشكلات والعوائق التي واجهها الوالدان سابقًا وتجنبها لأنها تبدو له كالتسلق عاريًا على جبل من الجليد.


٢- مدى قوة التمرد واتساع أُفق الشاب ومعرفته على أي شيء يتمرد

إن الشباب الذين يحصرون تمردهم في تغيير قصات الشعر وارتداء الملابس التي تساير الموضة أو التحدث بطرق لا تتناسب مع مجتمعاتهم دون فهم مشاكل بلادهم وبيئاتهم المستعصية ومحاولة إيجاد حلولٍ جيدةٍ لها لا يلبث أن يتطاير تمرده ولا يبقى منه شيء يصقل شخصيته أو ينميها. أما الشاب الذي يدرس مشكلات بلاده فيحاول إيجاد حلول لها بأقل التكاليف فيما يساير التقدم الصناعي والتكنولوجي والإلكتروني في العالم فهو الذي يملك نوع التمرد الذي يقوي الشخصية وينميها فيخلق منهم أهل ثقةٍ وأصحاب روح ريادية يعتمد عليهم.

٣-طبيعة الزمن الذي يمارس فيه الشاب تمرده

إن اختيار الزمن المناسب وما يحتاجه لهو من أهم العوامل لأنه يساعد أن تؤول متاعب الشاب وتمرده إلى ما يفيد ويعود بالنفع عليه وعلى غيره. فلا يفني وقته ومجهوده بلا عائد. فهو في نفسه يعلم أنه إن أراد الشهرة أو المال فعلية أن يأتي بشيء جديد استحاله ضعاف العزيمة من قبل. وهذا أكثر ما سيصقل شخصيته ويكسبه ثقةً في نفسه تزداد بمرور الوقت. ومن يساير العالم سيلاحظ كم المشكلات القديمة التي لا يجرؤ على حلها إلا الشباب. وذلك لأن كبار السن قد حاولوا كثيرًا فيما سبق لكنها لم تفلح بسبب العناد.

وعلى سبيل المثال: مشكلة الأسلحة النووية والذرية والكيماوية وأسلحة الدمار الشامل في العالم، فلا يمكن لمن تربى على أن السلاح لإظهار القوة أن ينحيها جانبًا أو يوافق على نزعها من العالم، فروح الشباب الجديدة هي الأولى بحل نزاعاتٍ كهذه وإيجاد حلول لها. حتى أن مشكلة مواجهة الطبيب النفسي في المجتمعات العربية ما زالت أمرا مريبا. وذلك لأنهم تربوا على أن الطبيب النفسي هو دكتور مجانين. والمريض النفسي قد فقد عقله بلا شك. أما شباب اليوم فبإمكانهم مواجهة الأمر بصورة عليمية ومتحضرة. فإن أصابتهم مشكلة عاطفية أو أمر نفسي ذهبوا إلى الطبيب لا ليلعبوا دور المرضي وإنما ليكتشفوا حلولًا لمشاكلهم مع الطبيب.

هذه المشكلات وغيرها هي مشكلات اجتماعية تربت عليها أجيال تلاعبت بالألفاظ دون مواجهة الواقع. فوجب التمرد على هذا لبدء جيل جديد يضع كل شيء في مكانه الصحيح دون التشبث بأفكار السابقين.

 فلا تقلقوا على أبنائكم إن تمردوا عليكم في بعض الأحيان، لكن يجب أن تقلقوا إن لم يتمردوا أو يحاولوا التعبير عن آرائهم الشخصية لأنهم حينها قد انساقوا مع القطيع وليست لديهم أفكار أو آراء أو حتى ما يميزهم من شخصيةٍ أو هوية، فيصبحوا حيوانات تجارب. 
ولا تربوا أبناءكم على آدابكم، فإنهم قد خلقوا لزمان غير زمانكم. وهذه المقولة منسوبة للإمام علي بن أبي وهذا لا صحة له وهي مقولة لسقراط في التذكرة الحمودية.
دُمتم في نعيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد