أثناء ركوبي في الحافلة المتجهة إلى الرباط مع الساعة السابعة صباحًا أصعد لأذهب مباشرة إلى الكرسي الأخير على اليمين تجنبًا لأي إحراج مع السيدات، اللاتي يستغلن حرج الشباب للانقضاض على الكراسي في برودة تامة، وبدون رحمة، لكن بالنسبة لي فهذا أمر آخر، لا يمكنني التضحية بمقعدي وأنا على علم مسبقًا بأن قرابة ساعة ونصف من الزمن تنتظرني للوصول إلى المعهد المنشود، فكيف لي أن أصبر طيلة هذه المدة واقفًا؟

أضع سماعات الأذن للابتعاد عن صخب الحافلة وثرثرة النساء، تتحرك الحافلة في هدوء، فتبدأ بالامتلاء شيئًا فشيئًا، حتى تصبح مثل قنبلة توشك على الإنفجار، بالطبع هذا لا يمنع السائق من تجاوز المحطات، بل يعطي لكل محطة وقتها اللازم (الالتزام القاتل)، فهو يعلم أن الحافلة امتلأت عن آخرها، لكن التعليمات هي التعليمات.

الحافلة لديها ميزة خاصة، هي أن المساحة المخصصة للوقوف تضاعف بكثير المساحة المخصصة للكراسي؛ مما يجعلها حافلة خاصة بالواقفين وليس الجالسين، فالجالس يصبح كطفرة داخل الحافلة، ينظرون له وكأنه جالس على العرش.

يتلهفون أثناء رؤية شخص هز مؤخرته لمغادرة الكرسي، مع العلم أنه اهتز فقط لوضع كتاب لحمايته من صلابة الكرسي المطلوب، نعم عندما ينتقل شخص من وضعية الوقوف إلى الجلوس، يلمحه الكل بنظرة المباركة والظفر، يبادلهم هو الآخر بابتسامة خفيفة على محياه تشير إلى النصر المحقق، لقد وصل إلى العرش.

يشتد الزحام مع توالي المحطات، يصعد المزيد من الناس، أرى ظلمات فوق ظلمات، إن رفعت يدك لتداعب خصال شعرك لم تكد تراها، يضيق النفس، وترتفع الحرارة، كلما بادر أحد بفتح أحد النوافذ الجانبية، يصرخ شخص من الوراء داعيًا إلى إغلاق النافذة بحجة برد الصباح القوي، إن كنت مريضًا أو تعاني من الاختناق فالحافلة ليست بالمكان المناسب، لا يمكنك التحكم في الجو داخلها فهو ملك للجميع.

تستمر الحافلة في الامتلاء، لا يمكن للسائق أن يتجاهل محطة ما، فهو يعلم أن قاطنيها انتظروا كثيرًا، وعدم الوقوف يعني التأخر ساعات إضافية عن العمل والدراسة والتطبيب كذلك، كما أن عدم الوقوف يساوي الكثير من الأدعية الحسنة التي سيتلقاها السائق في ذلك الصباح الجميل، بغض النظر عن الضرورة المهنية.

هنا تتضح المعاناة أرى بأم عيني حزنًا ممزوجًا بغضب مشتعل في وجوه الركاب الذين يرون الناس يصعدون فيصعدون، هذا يعتذر عن الدفع والآخر يطلب إخلاء الطريق وهكذا، حيث ترى الركاب يحتجون على السائق وعلى المراقبين ليتوقفوا عن تقطيع التذاكر بسبب الازدحام الشديد، رجال ونساء وأطفال، كأكوام من التبن.

في الحافلة لا يبقى حياء ولا حشمة ولا وقار، يصبح الكل للكل، لا وجود للحدود أو الحواجز، نعم هذه هي الحقيقة، فلشدة الإزدحام والسخونة الزائدة، يمكنك إنتاج أسرة فقط في فترة ركوب الحافلة.

شخصيًا أركب الحافلة فأكون في وضعية نشيطة مليئة بالحيوية والطاقة، قبل وصولي إلى المعهد بدقائق أخيرة، أشعر بالاكتئاب، أشعر وكأنني سافرت لسنوات، أحس بدوار شديد نتيجة المحرك الساخن الذي أجلس فوقه لأكثر من ساعة، غالبًا ما أصل متأخرًا لأجد الحصة قد أشرفت على الانتهاء، أعتذر لهذا الأستاذ وأحرج مع الآخر، أصبحوا يتعاطفون معي طيلة السنوات العجاف التي قضيتها في المعهد، بل أصبحت مشهورًا بتأخري، حتى أعتى الأساتذة لا يستطيع محاسبتي، حيث أن إجابتي الدائمة تكون (أعتذر يا أستاذ، فأنا أستيقظ مع الخامسة صباحًا، لكن الحافلة تتأخر لساعات، إذًا فهذا ليس ذنبي…)، يرمقني الأستاذ بنظرة منهزم في حرب كلامية؛ لأنه بدوره يعرف معنى الاستيقاظ مع الخامسة.

لنرجع إلى الرحلة أثناء ركوبي في الحافلة أخطف نظرة من النافذة، لأرى صفًا طويلًا ليس له حدود من الفتيات والفتيان الذين ينتظرون سيارة الأجرة، مررت من هذه التجربة في وقت مضى، لكن يلزمك صبر أيوب لتنتظر تلك المدة، أراهم يطيلون النظر إلى الحافلة، أرى في أعينهم سذاجة واشمئزازًا وشفقة، كأنهم يقولون (يا أسفاه على هؤلاء المساكين، يزدحمون كالخراف في الحافلة) نظرة من الاحتقار، وكأنهم ينتمون إلى الطبقة البورجوازية ونحن في الدرك الأسفل من الفقر، نعم فالفقر درجات.

أسمع همهمات خفيفة، النساء يتبادلن الحديث حول الوضعية الكارثية التي تعيشها الحافلة، وكيف يعانين كل يوم بسبب الانتظار وتأخرهن الدائم عن العمل، كما أنصت لشابين يقفان إلى جانب مقعدي، يعبران عن سخطهما بسبب غلاء التذكرة المقرونة بغياب الحافلات، في حين ألمح شابًا في الجانب الآخر، نحيف البنية شاحب الوجه، يضع سماعات الأذن في غير اكتراث لما يدور حوله من مجريات، بقربه رجل ذو لحية سوداء مشتغل بقراءة القرآن في هاتفه النقال، وهو بدوره سارح في آيات الخالق، بينما لا يلقي بالا لمأساة المخلوق. وفي المقعد الأخير على اليسار أرى شابًا يقرأ كتابًا، بالرغم من ضجة وهرج الحافلة إلا أنه يعيش في عالم آخر، حاولت التطلع لاسم الكتاب، دققت النظر جيدًا، نعم، كتاب «من أجل ثورة ثقافية» لحسن أوريد.

أخذتني غفوة لدقائق، سرحت طويلًا أفكر في مستقبل يشمئز من الحاضر، يوقظني صراخ وضرب على أبواب الباص من طرف شاب من محفظته البالية يبدو كطالب في سنته الثالثة، أخرج كل مافي جعبته من الغضب، يعاتب السائق على تأخره في المحطة، ينهض رجل بجانبي ليدعم الشاب الذي مالت إليه جميع أعين الحافلة، يبدأ بالسب والشتم، تنهض امرأة في الثلاثينات من عمرها لتخرج نار غضبها على المراقبين الذين يفتحون الباب لصعود الناس، يرد عليها أحد المراقبين في تهكم، لينتفض في وجهه الركاب جميعًا في أصوات وضربات على النوافذ، أرى ثورة تشتعل في الأفق، نعم لقد نفذ صبرهم، وفي وهلة من الزمن، يندفع الكل إلى إقفال الباب بالقوة.

بقيت الهمهمات بين الركاب، في وجوههم سخط لا حدود له، لقد أحسوا بنشوة الانتصار على الظلم، بدا الشاب ذو المحفظة البالية كبطل قومي وسط الحافلة، الكل يثني عليه ويبارك شجاعته وهمته العالية، فأتذكر نظرية «سيكولوجية الجماهير» التي تشير إلى القيادة التي تخرج من رحم الحراك الاجتماعي، ففي مدينتنا هناك حراك كل يوم، قيادات تنتج وتموت كل يوم فقط في الحافلة.

في هذه الأثناء يدعو الركاب السائق إلى الانطلاق، يرفض هذا الأخير أمر الركاب، ليندفع إليه أحد الشبان بلكمة أسقطته أرضًا، ويرميه خارج الحافلة، يصدم الجميع من الواقعة، أن تطرد المراقبين فهذا أمر عادي، ولكن أن تضرب سائق الحافلة وترميه خارجًا فهذا أمر يصعب تصديقه؛ لأن الجميع يعلم أن «الباص» لا يمكنه التحرك بدون سائق، يعم صمت رهيب، صحيح أن الكل يتمنى الجلوس مكان القائد، لكن من الصعب المغامرة، فهذا يتطلب اختصاصًا وخبرة، وفي هنيهة من الزمن يخرج من وسط زحام الحافلة رجل ذو هالة مخيفة، بلحيته السوداء وقامته الفارعة، يجلس على مقعد القيادة، لتنطلق الحافلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد