ألمح بورديو إلي أن الدولة تمثل المخيال الجماعي للأمة – الكلي الجامع – بمعنى أنها تمثل ضميّر الأمة وهُويتها الجماعية التي تتعالى علي كل إنتماءات الفرد الذاتية الوشائجية، الأيدولجية، الفئوية لتّخلق اللحمة الوطنية، فالدولة تكتسب قوتها الحقيقية من فكرة تعبيرها عن (الجماعة)، تكونت الدولة في أوروبا عبّر سياق تاريخي عسير، لكنه طبيعي، فكانت الدولة تتويج أوربي لجملة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية التي شهدتها أوروبا بدءًا من معاهدة وستفاليا.

في السودان كانت الدولة (صنيعة استعمارية) مفارقة للتطور التاريخي للمجتمع التقليدي، لذلك كانت لحظة الاستعمار وميلاد الدولة الحديثة بمثابة قطع للتطور الطبيعي للاجتماع السوداني، ذلك أن التكوين الاستعماري للدولة في السودان أدى في نهاية الأمر إلى أن تنشأ (دولة حديثة صغيرة في قلب مجتمع تقليدي متسع) (١) كما يقول الاستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، الأمر الثانيّ أنها كانت إدارة بيروقراطية في خدمة المصالح الاستعمارية وهذا أمر مفهوم، لكن مع مضيّ أكثر من 60 عامًا على الاستقلال ما زالت الدولة التي خلّفها الاستعمار البريطاني بذات تكوينها المعلول فقط تحولت من إدارة بيروقراطية في خدمة المصالح الاستعمارية إلي أدارة بيروقراطية قي خدمة مصالح النخبة الحديثة(الأفندية) وهيّ بلا شك مخلفات استعمارية كما الدولة، الذيّ يعزز ذلك أنها عجزّت تمامًا عن إعادة بناء الدولة في السودان بما يدّعم ويعبّر عن جموع السودانين بخلق هوية وطنية جماعيّة تشّكل رافعة للهم والإحساس بالمخيّال الجامع الموّحد لكل السودانين فشل (جيل الاستقلال) في هذه المهمة وإن إلتمس له العذّر من الكثيرين باعتبار أنه وليد الحركة الوطنية التي كان جندها الأول وأفق تفكيرها وعملها هو خروج المستعمر من السودان، إضافة إلي ذلك أجد نفسيّ متفق مع مقولة بازل ديفدسون المؤرخ الموسوعي لأفريقيا: لأنه يرى مما أصابها لا براءة منه(٢) باعتبار أنها تعانيّ توترًا ومرضًا عضُالًا في موقفها من الحداثة والمجتمع، لكن من يجد العذر لـ(جيل أكتوبر) الذي شّكل الحياة السياسية واعتلاء مقاعد القيادة في الأحزاب وفرض سيطرته علي المجال العام السياسي لأكثر من 40 عامًا ميراثه تجربة ثقيلة ومؤلمة يحصد السودانين الآن بإحباط بالغ ثمارها، كان إنجاز مهمة الهوية الجماعية التي توحد السودانيين سيخفف علينا آحمالًا كثيرة وأخطاءً فادحة ونضالًا مستمرًا ضد الدولة بدواع كثيرة صائبة تتعلق بالهوية والتنمية والتوزيع العادل للسلطة.

الأحزاب التاريخية.. قصة جيلين

بالطبع مصطلح الأحزاب التاريخية متحول ومتحرك في التاريخ السياسي السوداني الحديث، كان يقصد به الأحزاب الطائفية التقليدية إمام قوى حديثة وليِّدة القطاعات الحديثة التي نشأت فيها بعض الأحزاب السياسية (الإسلاميون، الشيوعيون) تحول المصطلح بفعل التاريخ فأصبح يحمّل كل الأحزاب السودانية التي تكونت قبل الاستقلال وبعد ثورة أكتوبر باعتبارها جميعًا أحزابًا تحمل في طيّاتها خبرة تاريخية جعلتها تؤطر العمل السياسي في السودان بمخيال التاريخ والمعركة التاريخية القديمة.

الأمر الذي أدى في نهاية الامر إلي أن السياسية السودانية تنتمي للماضي كليًا فالغالب من إشكاليات الأحزاب ماضوية متعلقة بتاريخ طويل من الاستئصال والإقصاء المتبادل الذي بلَّد من قدرتها علي صناعة مشروع وطني تنموي وصياغة هوية جماعية، مؤكد أنه عندما تعيش الأحزاب في الماضي والتاريخي سيدور صراع حول (التاريخ/الماضي) لا الحاضر والمستقبل، ستكون المعركة علي نحو ما هي معركة التطهر والتبرئة من وزّر الفشّل العام وهي حيّلة يواري بها الجميع عجزّهم عن مواجهة التاريخ ومراجعته نقديًا، ذلك أن الأحزاب السودانية تخشّى النقد الذاتي الجذري حتى من داخلها وتصد كل المحاولات الإصلاحية والنقدية من مثقفيها، خصوصًا الأحزاب العقائدية والحيّلة الوحيدة لمجابهة الكتابات النقدية هي مناقشة النوايا والتخوين فيكون السؤال دائمًا (من الذي كتب؟) لا (ما الذي كتب؟) وهو مزّاج عام حزبي في السودان متوارث عبر الأجيال، ليبقى التاريخ علي علاته والدولة علي انتكاستها وانهيارها تشقى بالسودان ويشقون بها، لا يصبح أمام الأجيال الجديدة – السجين الأخير للتاريخ – في الأحزاب إلا الدفاع عن التاريخ والماضي للمؤسسات الحزبية التي ينتمون إليها لا الدفاع عن مستقبلهم، وستدور دائرة التاريخ العظيمة هكذا، وستزور هذه الزنزانة أجيال كما يقول الشاعر المصري الأبنودي، أعتقد أن مهمة إنقاذ الأجيال الجديدة من براثن الاستهلاك والاستنزاف وريث العقل السياسي القديم هي مهلة عاجلة أن تتحرر الأجيال الجديدة من وراثة الماضي لتواجه أسئلة الحاضر والمستقبل وحدها المتمثلة في العيش في دولة موحدة لها هوية جامعة تستفز طاقات أبنائها في العمل على بناء مؤسساتها وأحزابها من جديد على سنّة الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية والقانون لا كشعارات أيدولوجيا تسجن نفسها فيها فتبحث عن المشاكل في الوعي الذاتي، بل معالجة موضوعية للواقع وشروطه وإشكالاته عبر الالتحام بها، سيكون بلا شك هذه إنجاز المهمة هو إنجاز للمؤجل.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد