أن يأتي رمضان وأنت بصحة وعافية فهذه نعمة عظيمة وجليلة، يتمناها الكثير من الناس الذين أجبرتهم الحياة بمشاغل الدنيا، وقد يكون الانشغال نتيجة لأسباب خارجة عن إرادتهم، فكم من سقيم يتمنى الشفاء، وكم من سجين يتمنى الحرية، وكم من مبتلى يتمنى العافية، وكم مهموم يتمنى إزالة الهم الذي على عاتقه، بينما يروننا بأحسن حال من غيرنا، ولن نعرف قيمة ما نملك حتى نفقده، ولكن عزيزي/ عزيزتي القارئة دعو شيئًا نصب أعينكم، وهو أن لا قيمة لهذه النعمة التي نُغبط عليها إن لم نستغلها في طاعة الله – لاسيما – ونحن في شهر الطاعات شهر القرآن.

إذًا تعال معي لنتجول في حديقتنا الرمضانية التي تحتوي على العديد من الزهور الروحانية المفعمة بعبير التاءات الرمضانية.

فتاءنا الأولى تاء التلاوة

هي الأسمى والأقدس عند الله في شهر رمضان ليس إلا لأن كتاب الله أنزل في هذا الشهر الكريم «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ…الآية» 185، فقد كان جبريل يدارس نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم كل عام مرة إلا في العام الذي انتقل فيه إلى جوار ربه، فقد دارسه مرتين كما ثبت في السنة المطهرة، فمن خلال هذا الهدي النبوي يمكننا أن نفهم أنه يستحب قراءة القران في شهر رمضان ولو مرة عملًا بهديه ﷺ مع جبريل عليه السلام.

أخي / أختي الكريمة، إياك أن تغفل أن على كل حرف تقرأه حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة، ففي الأثر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ قال «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول : ألف لام ميم حرف، ألفٌ حرف، ولاًم حرف، وميم حرف» أخرجه الترمذي، وصححه الألباني، وإن كان في معنى الحديث خلاف بين فقهاء اللغة.
فليكن شعارنا دائمًا وأبدًا في هذه الأيام المباركة، مع القرآن نحيا..فقد ثبت في الأثر أن أمام دار الهجرة – مالك بن أنس – كان إذا أتى رمضان ترك الفُتيا، وتفرغ لقراءة القرآن.

فقراءة القرآن بركة ورحمة وشفاء لما في الصدور، وقد خص الله متعلم ومعلم القرآن بالخيرية حيث قال كما ثبت في صحيح البخاري «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».

وتاءنا الثانية تاء التوبة

في رمضان يتوجه الكثير من المسلمين إلى الله بالدعاء والإكثار من النوافل وقراءة القرآن ليس إلا يقينا بأنه شهر معظم عند الله، وله خصائص وفضائل تميزه عن بقية الأشهر.
فتجد بيوت الله تكتظ بالمصليين بين قائم، وساجد، وقارئ للقرآن، وفي المقابل تجد من العصاة والمقصرين من يضبط شهوته في رمضان راجيًا رحمة الله وعفوه.
فأعلم أخي/ أختي الكريمة، أن الموفق من أكرمه الله باستغلال شهر رمضان بالطاعات، واجتناب المعاصي والسيئات، فكم من أناس تحت التراب يتمنوا أن يكونوا معنا في رمضان ولو لبضعة أيام، وكم أناس ابتلاهم الله بأمراض مزمنة لم تمكنهم من الصيام، فصار حلمهم وأملهم أن يصوموا معنا ويعيشوا تلك اللحظات الروحانية التي يتمنوها معنا، فكم هو مؤسف حق الأسف أن تشهد رمضان حيًا ببدنك، ولكنك ميت بروحك، فهذا حال البعض منا، والله المستعان وعليه التكلان!
تمعن معي أخي / أختي الكريمة إن للصيام فضائل عظيمة وجليلة، فينبغي علينا أن نستغل رمضان حق الإستغلال ولا ننشغل بما يفوت علينا هذا الفضل العظيم، فهي أيام معدودات كما ذكرها ربنا تبارك لما صعد الني ﷺ المنبر فقال: آمين آمين، آمين، فلما نزل سئل عن ذلك، فقال: «أتاني جبريل، فقال: رغم أنف أمرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، قل آمين، فقلت: آمين» أخرجه الترمذي.

ففي شهر رمضان ينادي مناد في أول ليلة من رمضان كما ثبت في سنن الترمذي «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».

رمضان.. كم كنت ربيعًا للطائعين وموسمًا للتائبين، قد تاقت إليك نفوس المؤمنين، واشتاقت إلى لياليك دموع المتهجدين فكم فيك من راكع وساجد وكم فيك من تال للقرآن وذاكر، وكم فيك من مخبت وباك.
قد فتحت فيك أبواب الجنان وغلقت أبواب النيران وصفدت مردة الجان. فهنيئًا لمن استغل أيامه ولياليه وتزود فيه من العمل الصالح ما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى ويكسبه مرضاته
ومن الكرامات التي منحها الله لعباده الصالحين في شهر رمضان، أن الله أضاف الصيام لنفسه من بين سائر الأعمال ففي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فِيهِ (فمه) أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».

بل من كرم الله وفضله على عباده بحق هذه الطاعة – الصيام – أن جعل للجنة باب يدعى باب الريان، فقد روى سهل بن سعد رضي الله عنه كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال «إن في الجنة بابًا يقال له باب الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإدا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد».

فكل هذه الفضائل ترغبنا بأن نتوب إلى الله، ونضبط شهواتنا، ونبتعد عن المعاصي التي تحرمنا كرم الله وعفوه، إلا أنه قد يتبادر لذهن السائل، ولما في رمضان بالتحديد، نحاول أن نجاهد أنفسنا حق المجاهدة كي لا نقترف الذنوب والمعاصي؟ الإجابة: قبل كل شيء، الذنوب هي تلك الذنوب والرب هو ذاك الرب إلا إن لكل مكان وزمان وجه، فعظم وشناعة إرتكاب الذنب في الحرمي المكي والمدني ليس كخارجه، وفعل المنكرات في بيت من بيوت الله ليس كما في الأماكن العامة، فالمكان والزمان له حرمته، وها هو شهر رمضان الذي أنزل فيه خير كتاب على وجه المعمورة، وفتحت فيه أبواب الجنان، وغلقت فيه أبواب النيران، وصفدت فيه مردة الشياطين، فمن تعظيمه ومعرفة قداسته أن نجتنب الذنوب والمعاصي؛ لنكتب عند الله من عتقاء هذا الشهر الفضيل.

واعلم أخي / أختي الكريمة: أن تعظيم شعائر رمضان من تقوى القلوب، أي أنك في حال بعدك واجتنبابك للمعاصي والمنكرات في رمضان، فهذا ليس إلا برهان على تقوى قلبك العامر بمحبة الله وقداسته. «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» الحج 32.

وما أروع أن سطرت إحدى الداعيات على صفحتها في «فيسبوك» قائلًا: «اختصار رمضان في عبارتين: رمضان قصير لا يحتمل التقصير، وقدومه عبور لا يقبل الفتور، فكلما تكاسلت فتذكر قول الله (أيامًا معدودات)، رمضان بين 11 شهرًا، كيوسف بين أحد عشر كوكبًا، فلا تقتلوه، ولا تلقوه في الجُب، ولاتبيعوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذ شفيعًا يوم الحساب، جعلنا الله وإياكم ممن وفق لاغتنامه».

بقية التاءات في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد