من يملك أن يُطيح بالسيسي؟
الراجح لديّ أن الحراك المعارض للانقلاب بشكله الحالي لن يستطيع أن يُسقط الحكم العسكري ولا حتى أن يزيح السيسي كشخص، حتى وإن ساهم في تأخير مشروعه السلطوي وإعاقته نسبيًّا.

المؤسسة العسكرية في مصر لا تملك ولاءً سوى لمصالحها، ولا تملك انحيازًا أيديولوجيًّا سوى للقومية المصرية الضيقة، وولاء المال والمصالح مقدم على ما عداه.

مؤسسة لا عزيزَ لها، وفي هذا الإطار كان استغلال فرصة يناير للتضحية بمبارك، للإطاحة بمشروع التوريث المتعارض مع مصالح المؤسسة، والتضحية برأس النظام في سبيل الحفاظ على النظام نفسه، بل يُقال إن خطة انتشار الجيش في الجمهورية التي تم تنفيذها إبان ثورة يناير كانت مُعدة مسبقًا لفرض السيطرة في حالة وفاة مبارك والحيلولة دون تنصيب جمال.

وفي نفس الإطار، وارد أن يُطاح بالسيسي في سبيل الحفاظ على حكم العسكر نفسه، وهذا يُعيدنا للسؤال نفسه: من يملك أن يُطيح بالسيسي؟

لا يستطيع أن يطيح بالسيسي حاليًا سوى المؤسسة العسكرية، إما بإجماع وإما بجناح ذي نفوذ داخلها، أي أن الأمر لن يخرج عن الجيش والدولة العميقة ورؤوس أموال الحزب الوطني وكل هؤلاء بطبيعة الحال في المعسكر المعادي للثورة، وبالطبع سيتم هذا برعاية إقليمية.

إذن لماذا الإخوان؟
إن قرر طرفٌ ما الإطاحة بالسيسي، فسيحتاج لمشهد جماهيري جميل، أجاد استغلاله في يناير وأجاد صناعته في ٣٠ يونيو، ومن أفضل من الإخوان كتيار موجود فعليًّا في الشارع وذي قدرة على الحشد لمشهدٍ كهذا؟ إن صناعة مشهد جماهيري هزلي للإطاحة بالسيسي – إن وُجِدَت رغبة في ذلك- سيحقق لمعسكر الدولة العميقة/ الثورة المضادة ما لم تحلم به، سيطيح بمن يخصم من أسهم المؤسسة العسكرية شعبيًّا (السيسي)، ويعيد تقديم الحكم العسكري في صورة لطيفة تتلافى أخطاء مرحلة ما بعد الثورة ومرحلة السيسي (وأبرزها الظهور الفج للمؤسسة العسكرية في الحكم على عكس الوجود الناعم إبان فترة مبارك)، وسيعيد تطويع الإخوان المسلمين كمعارضة مستأنسة داخل إطار الدولة، وسيفرغ الخطاب الثوري/ الجهادي المرتكز على إسقاط النظام كليةً من معناه.

وإذا أردت أن تدرك فعلًا مقدار استفادة العسكر من صناعة مشهد كهذا فعليك أن تجاوب على سؤال: ماذا حقق الحراك المعارض للانقلاب الفترة الماضية؟

على المستوى الفكري، تسبب الانقلاب وما تلاه في إعادة تقييم المعركة من جديد، وإعادة تعريف العدو المتمثل في الدولة القومية الحديثة نفسها، وحررَ الانقلاب وما تلاه المخزون الفكري الثوري لدى الإخوان المسلمين، واستدعاه من تراث الإمامين البنا وقطب، وأعاد تلميع رموز الجهاد العالمي، وفتح الباب لإعادة تقييم سُبل التغيير والنظر في فاعلية ما انتهجته الحركات الإسلامية السياسية من أساليب للإصلاح والتغيير، وهذا تحول – لو تعلمون- عظيم، وتوابعه ستفضي لتغيرات جذرية بالتأكيد.

وعلى المستوى الحركي، فلا ريب أن الفعل الثوري رغم ضعفه الحالي قد أعاق الطموح السياسي للسيسي نسبيًّا، فلا زال بعد عامين يتحدث عن مرسي والإطاحة به، ولا زال غير قادر على إكمال مؤسساته وانتخاب برلمان (المزيد حول هذه النقطة في مقال: أجنحة الدولة والمعركة المُقبلة| ساسة بوست).

كما نجح الخطاب في صياغة الارتباط بين السيسي والمؤسسة العسكرية، ليتجاوز خطاب الثورة “أخيرًا” نكتة أن عدو الثورة هو القيادة العسكرية وليس المؤسسة نفسها بكل مصالحها وعِمالتها.

إن فترة عامين من القتل والسحل والاعتقال والاختفاء القسري والمطاردة وهتك العرض وتأميم الأموال، قد أنهكت جماعة الإخوان المسلمين ومن في صفهم للغاية، وسياسة وزير الداخلية الجديد كانت واضحة للغاية في رفع سقف الانتهاكات لحدٍّ غير مسبوق، في سبيل تقليل سقف طموح الحراك من إسقاط النظام والتخلص من الهيمنة إلى تحرير المعتقلين والنوم ليلًا بلا خوف، ولا ريب أن هذا وما يصاحبه من استنزاف مادي وحركي، وإلحاح من أهالي الضحايا لإيجاد حل، يمثل ضغطًا حقيقيًّا وملموسًا على جماعة الإخوان المسلمين، أمام هذا وبالأخذ في الاعتبار التخوف التقليدي لدى قيادات الإخوان من “عسكرة الثورة” فقد نرى رغبة حقيقية من الإخوان في هذه المصالحة المزعومة، وهذا ما سيجيد النظام استغلاله بالتأكيد.

الواهم فقط من يرى أن إتمام هذه المصالحة المزعومة سيخلق مشهدًا ورديًّا، ما سنراه هو تغيير شكلي لرأس النظام، وإعادة تسويق لنكتة “الجيش المصري الوطني الذي انحاز للثورة”، وهدم لكل ما أنجزه الحراك الفترة الماضية، وانتكاسة في الفكر والمفاهيم، وضياع لحقوق الشهداء والمعتقلين في ظل غياب مؤكد لصيغة قصاص واضحة، حتى خروج المعتقلين سيقتصر على قضايا قانون التظاهر والانتماء لجماعة محظورة وما شابههما من قضايا، أما المتهمون في قضايا عنف وتحريض فلن يفرط فيهم النظام بالتأكيد، وهذا يشمل أعدادًا ضخمة من المعتقلين سيتم “بيعهم” حرفيًّا، كما سيُستخدم الإخوان كمطية لضرب الفكر والتيار الثوري والجهادي، بل إن اصطفاف جزء من الإخوان وراء المصالحة المزعومة سيُظهر بوضوح الفريق الآخر صاحب الفكر الجذري داخل الإخوان أمام النظام وسيقدمهم على طبق من ذهب لمشانق النظام (الأردن نموذجًا).

يقولون الشدّة أودت بالمُهَج، ورغم إدراكنا لحجم الأهوال والضغوط النفسية الحالية، لكن علينا أن ننظر بحكمة أكبر لما نُستَخدَم فيه، وندرك أن الفرق بين الهدنة الشرعية والخيانة شعرة، وأننا أمام فرصة تاريخية قد تعني تغييرًا عظيمًا في المستقبل، وأن التاريخ لم ولن يرحم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد