كان يستطيع السيسى أن يقضى فترة حكمه مثل مبارك يحافظ على مستوى سقوط الدولة في حدوده الدنيا، دون أن يحاول تحقيق أى إنجاز أو تقدم.

ولكن طموح السيسى ورغبته فى أن يذكره التاريخ باعتباره صاحب إنجازات دفعه للمغامرة؛ فسعى أن يقدم نفسه للشعب فى أول عام له باعتباره صاحب إنجاز عظيم، وقد كان مشروع تفريعة قناة السويس هو وسيلته لتحقيق ذلك الإنجاز الإعلامي الذي سيقدمه للشعب، ولكن من سوء حظه أن المشروع لم تتم دراسته جيدًا قبل أن يُقدم له، وأن الحفر الذى كان متوقعًا أن يتم الجزء الأكبر منه حفرًا (على الناشف) تحول منذ بدايته – بعد أن ظهرت المياه الجوفية على عمق أربعة أمتار فقط – إلى حفر بالكراكات، ولرغبته في إنجازه في عام واحد فقد قام بتأجير 75% من كراكات العالم؛ مما ضاعف التكلفة واستنزف حصيلة الدولة من العملات الصعبة فى وقت عانت فيه مصر من شح في مواردها من العملة الصعبة، بعد تراجع عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية وتحويلات المصريين فى الخارج.

لم يعد أمام السيسى من خيار لتعويض العجز المتزايد في العملة الصعبة، إلا اللجوء لصندوق النقد الدولي واتباع روشتته التقليدية، وبدأ سلسلة الإجراءات المعروفة التي أحجم عن اتخاذها مبارك ورفض تنفيذها مرسي، فقام بتعويم الجنيه، ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء، ورفع أسعار كل الخدمات التي تقدمها الدولة، وقام بتخفيض الإنفاق الحكومي إلى أقل مستوى ممكن لتقليل عجز الموازنة.

وهذه السياسة الاقتصادية تزيد نسبة الفقراء في المجتمع، فزيادة الأسعار تؤدي إلى قلة القوة الشرائية، وبالتالي تصاب قطاعات كاملة من الاقتصاد بالكساد؛ مما يؤدي إلى توقفها وتسريح العمالة؛ فتزداد البطالة؛ وبالتالي تقل القوة الشرائية أكثر، وهكذا تتوالى عجلة الانهيار.

وصندوق النقد الدولي يزعم دائمًا أن الإصلاحات التي يتبناها هدفها علاج تشوهات الموازنة؛ مما يؤدي إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية؛ وبالتالي توفير فرص عمل؛ فتزيد القوة الشرائية للمجتمع؛ فيبدأ الاقتصاد فى النمو، ويرتفع دخل المواطنين شيئًا فشيئًا، فيعوضون الخسارة التي أصيبوا بها نتيجة إلغاء الدعم ورفع أسعار السلع الأساسية.

ولكن خطة صندوق النقد الدولى تعتمد أساسًا على تدفق الاستثمارات الأجنبية وبغض النظر عن سطحية النظرية وعدم نجاحها فى البلاد التي طبقت فيها، إلا أن مصر لها وضع خاص فما يمنع الاستثمارات الأجنبية من الدخول إلى السوق المصري ليس تشوهات الموازنة، ولكن أسباب سياسية أهمها غياب الاستقرار السياسي؛ لأن أكبر فصيل سياسي في مصر، بل وربما الفصيل السياسي الوحيد في مصر هو خارج المنظومة السياسية في مصر فهو ليس جزءًا من الحكم أو المعارضة، ومن الممكن أن يقرر هذا الفصيل السياسي، وأعني به الإخوان المسلمين، اللجوء إلى التمرد المسلح في أي وقت، وحتى إن كان هذا الاختيار احتمالاته شبه معدومة، إلا أنه يبقى خيارًا مطروحًا، ولا يمكن لأي مستثمر حقيقي أن يغامر ويستثمر أمواله في بلد من الممكن أن تندلع فيها حرب أهلية في أي وقت.

لهذا فإن حلم السيسي في أن يسجل التاريخ اسمه باعتباره رئيسًا حقق انجازات ضخمة وبني اقتصادًا قويًا يتبخر أمام عينيه، بل الأسوأ أنه إذا لم تتدفق استثمارات أجنبية وبسرعة فإن الاقتصاد المصري حالته ستسوء أكثر وأكثر بعد انتهاء أثر الاستثمارات التي تم ضخها فى السوق العقارية والتي لا يستمر مفعولها كثيرًا، فهي مجرد محرك للسوق تحتاج أن يتبعها فورًا تتدفق استثمارات حقيقية فى مجالات الصناعة والسياحة والزراعة توفر فرص عمل دائمة وتحقق دخلًا يدوم.

إن الأمل الوحيد لدى السيسي ليصبح رئيسًا صاحب إنجاز هو أن يجذب وبسرعة عشرات المليارات من الدولارات كاستثمارات مباشرة للسوق المصرى والسبيل الوحيد لذلك هو توفير مناخ سياسى لا ينفر من الاستثمار في مصر وهو أمر لن يتحقق إلا إذا تم إدماج جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، سواء في الحكم أو المعارضة المهم أن تكون جزءًا من الحياة السياسية.

لهذا فإن المصالحة بالنسبة للسيسي هي أمر ضرورى له، ولكن حلفاءه الذين لا يعنيهم كثيرًا أن يتحقق إنجاز اقتصادي في عهده أم لا، قلقون من أن تكون تلك المصالحة على حساب حياتهم أو حريتهم أو ثرواتهم التى كونوها فى الفترة الماضية، لهذا فإن السيسى يسعى إلى طمأنة هؤلاء بأن أوضاعهم لن تمس، وأن مكاسبهم لن تتأثر من المصالحة، وقانون تحصين كبار قادة القوات المسلحة هو خطوة في هذا الطريق، وستتبعها خطوات أخرى هدفها طمأنة مراكز القوى داخل الدولة أن المصالحة التي يسعى لها السيسي لن تؤثر عليهم سلبًا.

ولكن هل ستقبل جماعة الإخوان المصالحة الآن بشروط السيسى؟ أم تنتظر قليلًا لتحصل على ما تريد وفق شروطها هي؟

فبينما السيسي متعجل على المصالحة من أجل تحقيق استقرار اقتصادي فإن الجماعة التي عانت على مدار خمس سنوات ليست بنفس العجلة؛ فمن صبر خمسة أعوام لن يضيره أن يكملها ستة أو سبعة.

إن السيسى يواجه التحدي على مستويين، الأول: هو إقناع مراكز القوى فى نظام حكمه بأن المصالحة لن تضر بمصالحهم، والآخر: أن يجد أوراق ضغط قوية على الإخوان تجبرهم على القبول بمصالحة تعيد دمجهم فى الحياة السياسية في مصر، دون أن يكون لهم تأثير قوي فيها؛ فيعودون إلى وضعهم في أيام مبارك، أو أقل، أو أكثر قليلًا.

فهل ينجح السيسي؟ وهل تقبل الجماعة؟ وهل توافق أركان حكمه؟ الأيام القادمة ستحمل لنا الإجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات