يداهم الخطر أحدهم فتراه مبتسمًا راضيًا واثقًا من قدرته على تجاوزه، ومن أنه محنة سيعقبها منحة، ويداهم الآخر الخطر ذاته أو أقل منه وطأةً، فتجده حزينًا قلقًا كئيبًا موجهًا نظره إلى الخطر وما ينطوي عليه لا إلا الفرج وما يحمله.

وليس الفرق بينهما أن الأول شجاع والآخر جبان أو أن الأول ذكي متعلم والآخر غبي جاهل، وإنما الفرق وحده بين هذين الفريقين يكمن في طريقة تفكير كل منهما نحو الأحداث، ومن ثم منهجهما في التعامل معها. فمعركتنا الكبرى تجري داخل عقولنا إن استطعنا الانتصار فيها، أعقب ذلك تغيير في تعاملنا مع ما يواجهنا من صعاب، ويكمن الانتصار في بث الأفكار الإيجابية في عقولنا، والتي يتبعها رضًا وطمأنينةً وسلامًا في قلوبنا، فتأتي سلوكياتنا مطابقة لما تم في عقولنا وقلوبنا، وهو أننا نتخطى الصعاب ونمحقها، ولم يكن ذلك ليحدث إلا لأننا خرجنا من معركة العقل منتصرين.

ومعركة العقل تكون مع أعدائنا (لا تستطيع، سوف تفشل، سوف تنهار، هذا سيدمرك..)، فإذا انهزمنا فإن جيوش القلق والغضب والتوتر والكآبة سيجتاحون قلوبنا إذ إنما حالها هو نتاج معركتنا الأولى، فتأتي سلوكياتنا إثر ذلك مضطربة، مما يجعلنا غير قادرين على المسير وإن سرنا وقعنا وإن وقعنا فلن نجد -من داخلنا- من ينتشلنا.

ولكنَّ مخاطر الحياة ومصائبها متفاوتة الضرر، إذ لا يمكننا أن نسوّي بين من أصابه السرطان ومن أصابه الزكام، وبين من اعتقل يومًا وسُجن مؤبدًا، وبين من خُدش أصبعه وقُطعت يده.

فهل يستطيع الإنسان الانتصار في معركة عقله في جميع المصائب مهما تفاوت ضررها؟

قبل أن أجيب علينا أن نعلم أن أكبر ثلاثة مصائب قد يواجهها الإنسان هي أن تنتهي حياته (القتل) أو تؤسر حريته (السجن) أو يُحرم أحباؤه (النفي)، وهذه المصائب الثلاث هي ما أدى إلى أن يغير كثير من العلماء والأدباء والمناضلين آراءهم من معارضة الحاكم وعدائه إلى موالاته ومناصرته، وكذلك فهي نفسها – القتل والسجن والنفي – التي كتمت أفواه الكثير من الأئمة والمثقفين والسياسيين، إذ يعلمون أن إحدى هذه العقوبات الثلاث ستطالهم، ففضلوا الإبقاء على أفكارهم حبيسة صدورهم، تخنقهم وتأكل عقولهم على البوح وما سيتبعه من تنكيل أو تقييد أو تهجير.

كيف تعامل ابن تيمية مع هذه المصائب الثلاث؟

ما يَصنَعُ أعدائي بي؟ إنَّ جَنَّتي وبُستاني في صَدري – يعني بذلك إيمانه وعلمه أو الكتاب والسنة – أين رُحت: فَهي مَعي لا تُفارِقُني، إنَّ حَبسي خلوةٌ، وقتلي شهادة، وإخراجي مِن بلدي سياحةٌ.

إنه لم ينظر إلى السجن وضيقه وإنما إلى الخلوة وروحانيتها، ولا إلى القتل وبشاعته وإنما إلى الجنة وبهائها، ولا إلى الغربة ووحشتها، وإنما إلى السفر ومتعته، فإذا ما علمت ذلك وتفكرت به، أدركت ألا مصيبة إلا ويستطيع عقلك مواجهتها والانتصار عليها مهما كانت خطورتها ومهما كانت نتائجها، فتفكيرك هو ميدانك، إما أن تنتصر فيه فتجد حلاوة وطمأنينة في صدرك، وثقة وقدرة في سلوكك، أو تُهزم فتجد خيبة وإحباط في صدرك، واضطراب وفشل في سلوكك.

أخيرًا، خذ مني هذين البيتين لأبي الحسن التهامي فهما يختصران لك الحياة:

طُبعت على كدرٍ وأنت تريدُها صفوًا من الأقذار والأكدار

ومكلّف الأيَّامٍ ضدَّ طباعها متطلّبٌ في الماءِ جذوة نار

ومعنى ذلك أن من طبع الحياة المشقة والتعب والجهد، أفيعقل أن تريدها صافية لا يشوبها شائبة، نقية لا يعكرها معكر؟! فإن حالك هذا هو كحال من ينتظر من الماء شعلة نار!!

وطالما أن هذا هو طبع الحياة، وطالما أن الذي يمكنك فعله هو تغيير طريقة تفكيرك لا إيقاف مصائبها، فإليك هذا الحديث النبوي الذي عليك أن تنظر إلى كل ما يصيبك من نقم ونعم من خلاله:

«عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد