أتوجه بكلامي إلى مُدّعي النضال اللاهثين خلف أدوار البطولة، المطالبين بدماء الشهداء واستكمال مسار الثورة والتغيير. إلى من غيبتهم ظلمات السجون عن الواقع، وإلى هؤلاء ممن أعمتهم أهوال الواقع عن التفكير. عن أي مصالحة تتكلمون، وأي مصالحة تلك التي ترفضون؟ وأي تنازلات تلك التي لن تقدموها؟! لقد تمت المصالحة منذ زمن وانتهى الأمر.

تمت بلا مواثيق ولا اتفاقات وبلا عقود.  تمت منذ توقف آخر شخص عن الهتاف ونكست آخر الرايات.  تمت في كل تلك الميادين التي أخلاها الزمن، وعملت فيها عوامل التعري (من بطش الجبارين وضياع الحق وقلة الحيلة) عملها.

وانطلاقًا من مبدأ لا ضرر ولا ضرار وعملاً بالمثل المصري الشهير (الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح)، أعلنت جميع محافظات وقرى مصر المصالحة (باستثناء اللاشيء) في مقابل أن لا تخسر أرواحًا جديدة، وأن تتوقف عن تقديم القرابين، وأن لا تضحي بالقلة القليلة الباقية.

ومن ثم فقد أضحت مصر خالية من تلك الأصوات التي أرّقتها لسنوات، ولم يتبق فيها إلا أصوات آهات مكتومة لأم فقدت ابنها، أو لأهل بانتظار رجوع أسير.

وبالحديث عن هذا الاستثناء وذاك اللاشيء، فإن قرى أمثال: المطرية وناهيا وغيرها، لا تستحق أن تذكر بالنظر إلى جغرافيتها وبمقارنتها مع سابقتها من تلك التي كانت يومًا ما منبعًا للثورة وصارت اليوم أرضًا قاحلة أمثال السويس وأمثال ميادين الإسكندرية وخلافه.

ولكن بالنظر إلى تلك المصالحة فهي تعد الأفضل من حيث حفظ ماء الوجه والكرامة؛ فأن تُسلم رقبتك لقاتلك خيرٌ من أن تُسلم له يدك.

وها هو النظام يتحداكم في تحدٍ واضح وصريح بإعدام رمضان وقتل الشعرواي على فراشه وتحديد موعد إعدام شنن، ويحاول جاهدًا أن يستحث فيكم أي جزء باقٍ قادر على إبداء رد فعل، ويحلف الأيمان المغلظة على وفاة جسدكم المُنهك.

لم يتبق من نار الثورة إلا رمادها، ولن تكون تلك الجذوة الباقية بقادرة على إحيائها، ولن تغير تغطية أعينكم من الواقع مثقال ذرة. رحم الله شهداءً ضحوا بأرواحهم من أجل حق لن يعود، ودفعوا حياتهم ثمنًا لنصر لن يكون.

وفي الختام فإن الناظر للواقع بعين الحياد، المستذكر لأحداثٍ مضت بلغت فيها الثورة مجدها والحماسة ذروتها، المتمسك بآخر أمل في التغيير دون مُكابرة أو هروب ليرى ذلك رأي العين ويعلمه علم اليقين.

فلتتوقفوا عن تناول المُهدئات والمُشوهات ولتبدؤوا البحث عن طبيب نفسي! لا ومن ثم يمكنكم بناء منهج واضح قائم على رؤية صحيحة وملمة بالواقع دون مكابرة؛ لكن بعد هدم بعض المعتقدات أولاً.

عودوا إلى رشدكم يرحمكم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد