وجَّهَ معاذ الخطيب رئيس الاِئتلاف السوريّ السابق لرئيس النظام بشار الأسد مُبادرة لِلحوار دَعَاهُ فيها للرحيل حملت عُنوانَ «حوار هادئ مع فِرعون سوريَا» وطلب من كُلِّ الجهاتِ تبني هذهِ المُبادرة، عَسَى أن يستجيبَ فهل من جدوى للمُصالحةِ والحوارِ مع هذا النظام! بعد التجارب والمصالحات التي مرّت عبرَ التاريخ، مثلَ دولة رواندا بعد قتالٍ بين قبيلتي الهوتو والتوتسي التي قُتِلَ فيها خِلاَلَ ثلاثةَ أشهرٍ أكثر من 800 ألف شخص من الطَّائِفَتَيْنِ وأغلبُهُمْ أبرياء، واِغتصبت مئات الآلاف من النساء بعدما اِنتهت الحرب تشكل حزب عبارة عن خليط من الهوتو والتوتسي وهو الآن الحزب الحاكم لِلبلاد، يَقُولُ الرئيس الروندي بُوُل كاغامي كلمته المشهورة: العَفْوَ خيرٌ من القتلِ. وقد أصبحَ الهوتو والتوتسي يَتَزَوَّجُون من بعضِهم البعض، وقد ذكرت الأممُ المتحدةُ أن الإبادة هي الأولى عالميًّا لفضاعتها، وسوء الجرائم التي ارتكبت، صديقي الرواندي عبد الرحمن يقول: إذا عدتم للانتقام لن تقف الحرب يجب أن تُسامحوا وتعفُوا ليعُمَّ السَّلام فِي بلادكُمْ.

فِي سوريَا بعد أن دمرهَا النظام وأبادهَا وشرَّد شعبهَا المدارس أصبحت ملاجئ للنَّازحين من الإحياء المُدَمّرَة، بعدَ أن قتل أكثر من مليون شهيد وهجر أكثر من 10 مليون ما بين نازحٍ ولاجئٍ هل من مُصالحة؟ لن نعود لتلك الحظيرة، إلى تلك الكلمات التي لطَّالمَا حفِظناهَا ونحن صغار «الحيطان لها آذان»، هل سنعود إلى ذلِكَ السجن الكبير، إلى من اِغتصبَ فِكْرَ أبائنَا وأجدادنَا لأكثر من 45 سنة، النظام المجرم مُنْذُ بدايةِ الثورةِ لا يريدُ الحوار يريد أن يفرض حلًا عسكريًّا لا غير حتى جلب المحتل الروسي والإيراني لإنقاذهِ.

كُلُّ الثوراتِ التِي مرَّتْ عبرَ التاريخ تختلف عن الثورة السورية عندما يذكر اِسمها تبدأ عيوني بالبريق لذِكرهَا، الثورة خرجت سلمية بأغصان الزيتون و من تعرض للعنفِ والقتلِ هُمْ المتظاهرين المطالبين بالحريةِ والكرامةِ، في سوريَا لا مصالحة لأن هنالك قاتلًا ومجرمًا ظالمًا ومواطنين يطالبون بحقهم بالعيش بسلام وحرية لم يطالبوا بشيء معجز الحدوث، في سوريا هنالك محتل روسي وإيراني يحتلُّ البلادَ وينهبُ خيراتهَا اليوم مواجهتنَا مع الاِحتلال وليست مع النظام لأن النظام قد سقط منذُ بدايةِ الثورة وأصبح أمرًا معروفًا، والكل يعلم أنَّهُ لا يستطيع إدارة البلاد من خلال الأزمات المتتالية التي مر بها على الصعيد الاقتصادي والتفلت الاجتماعي كشبكات بيوت الدعارة والتشبيح بين المواطنين، أصبح النظام بؤرة ومستنقعًا ذا رائحةٍ ممرضة من الفساد على جميع مستوياته من رأسه حتى أصغر موظف فيه، كل العالم مدرك أن هذا النظام لا يمكن اِستصلاحه ولا حتى التواصل معه إلى أي مسودة عمل لأن صلاحيته قد وَلَّتْ منذُ زمن.

إذا صالحنَا ماذَا سنقول لتلكَ الأمهاتِ؟

إذا صالحنَا ماذا سنقول لهؤلاء المعتقلاتِ؟ إذا صالحنَا ماذا سنقول لمن ضحَّى بنفسِه لنحيَا!

ماذا سنقول لمن باتَ في الخيامِ؟ لحمزةَ الخطيب والطفل كريم وحجي مارع؟ لن تكون مصالحة مع قاتلنَا.

لو سُئِلْنَا: إن عُدْتُمْ لِمَا قبل الثورة أكنتم ثائرين، لكان الجواب نعم.. سنثورُ فمن ذاقَ طعم الحرية لن يصالح، ولن يندم، الحرية أمانةٌ في أعناقِنَا وسنستمر في ثورتنا صحيح ذبُلت أوراق الثورة، ولكنها لم تمت، هذا الربيع سيبقى ربيعًا رغم ذبوله، ورغم كل ما حل به وسيزهرُ حتمًا.

هذه الثورة ستستمرُّ ضدَّ الظلمِ والأجرامِ ضدَّ النظام وأعوانه حتى تحقيق أسمى مطالبها وهي الحرية، تَأَخُّر النصر ومرور الثورة بهذه التغيرات والتطورات أمر طبيعي لأن النظام قبل أكثر من 45 سنة يُسمم أفكارنا، ومن قراء تاريخ الثورات على مر العصور يدرك أنه لابُدَّ لهَا من تضحيات وربما بهذا الجيل لا تقطف الثمار، بعد ما أضرم البوعزيزي النورَ، وليس النار في جسده الطاهر لن ينطفئ إلا باِنتصارِ الشعوبِ المقهورة.

لم نخـش طاغوتا يحاربنا.. ولو نصب المنايا حولنا أسوارًا

ندعو جهارًا لا إله سوى الذي.. صنع الوجود وقدر الأقدارَ

_محمد إقبال

فبعدمَا عرفت الشعوب العربية كيف تعيش الشعوب المتقدمة بأمن وسلام ومستوى معيشةٍ جيدة، هذه الشعوب لن تسكت ولَّى عهد الصمت والدليل الحراك الذي يحدث في السودان ضدَّ البشير ونجاح الشعب الجزائري بوقوفهم ضدَّ ترشح المقعد بوتفليقة، الفرحة عمت الشارعين الجزائري والعربي عمومًا هذه الشعوب تطوقُ لِتعيشَ بحريةٍ.

واقتبس من وائل الشيخ أمين: سنعلم أبنائنَا قيم الثورة، سنربي أبناءنَا عليها، عِلِّمهم هتافاتها، عِلِّمهم لحن القاشوش المغوار وهتاف كل الثوار «يلعن روحك يا حافظ.. يلعن روحك يا بشار». فالمصالحة مع هكذا نظام جريمة، سنصالح إذا اِستطاع رأس النظام تصليح حرف «الثين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد