حسين أبو شاهين

72

حسين أبو شاهين

72

بسذاجة عفوية أو مصطنعة تناقلت قنوات إخبارية عربية خبر انطلاق أعمال مؤتمر إعادة إعمار العراق، والذي تستضيفه دولة الكويت بمناسبة انتهاء الحملة العسكرية التي قادتها واشنطن والقوات العراقية وميليشيا الحشد الشعبي الشيعية للقضاء على ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق، والتي كبدت العراق خسائر بلغت ما يقرب من 46 مليار دولار، حسب بيان الحكومة العراقية.

مؤتمر إعمار العراق الذي أعلن انطلاقه الاثنين 21 فبراير (شباط) 2018 في الكويت، قال إن الخسائر طالت المنازل، ومحطات توليد الكهرباء، والمدارس، والبنية التحتية المدنية، وغيرها من المنشآت.

أعود إلى السذاجة التي أقصدها في التناول، وهي أن الجميع يتحدث عن إعادة إعمار ما أفسده ما يسمى بتنظيم داعش في العراق، ولا كلمة ذكرت عن إعمار ما خلفه الاحتلال الأمريكي للعراق وقبله الحصار الاقتصادي أيضًا.

هل مقصود أن نمحو من الذاكرة شيئًا اسمه احتلال العراق بعد حصاره؟ هل مطلوب أن ننسى آلافًا قتلوا ومثلهم سجنوا وانتهكت أعراضهم رجالًا ونساءً في معتقل أبو غريب؟ هل مقصود أن تطوي صفحة داعش صفحة الاحتلال الأمريكي الذي لم يترك العراق إلا بعد أن دمره، وسرعان ما فوجئنا أيضًا عبر إعلامنا بظهور داعش إضافة إلى سقوط جميع ما تركه الجيش الأمريكي من عتاد وسلاح في يد التنظيم؟

الكويت بين الإعمار ومباركة الاحتلال

لن أتحدث عن مباركة الكويت للغزو الأمريكي للعراق، وانطلاق القوات والجحافل الأمريكية والبريطانية من أرض الكويت بعد أن مرت بقناة السويس المصرية، وسددت رسوم العبور بالطبع، ولكني أتفهم ماضي الكويت مع نظام صدام حسين واحتلاله لها بعلم أمريكي وربما تأييد أيضًا، ولكني لن أنسى هذا الرجل الكويتي الذي كان يلوح بعلم بلاده مع علم واشنطن في يد، واليد الأخرى مشيرة بعلامة النصر وهو يقف أمام طائرة كانت تستعد للإقلاع لضرب أهداف عسكرية عراقية في أم القصر في مستهل احتلال العراق.

لن أتحدث عن استهداف الجيش العراقي -أحد أهم جيوش المنطقة العربية قبل الاحتلال- وتدميره عن بكرة أبيه وقت انسحابه من الكويت، ولعل من يتحمل ذلك هو نظام صدام حسين بعد أن توهم أنه لاعب دولي وصديق مقرب من واشنطن التي سارعت في القضاء عليه وعلى بلاد الرافدين؛ نكاية في بصيص من عناد ونخوة كان يصدرها صدام حسين بين الحين والآخر، فضلًا عن دعمه العسكري في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، كما تتحملها أنظمة عربية شاركت في حرب الكويت منها مصر التي شاركت مقابل إسقاط ديون خارجية عليها، ولكن لا مجال هنا للحديث عن جدلية شرعية قتال الفئة الباغية فقد أفاض فيها الشراح، وبينوا أن رد الفئة الباغية مشروع؛ ولكن إعانة أجنبي على عربي غير مشروع، وهو ما حدث بالفعل.

ولكن سأتحدث عن إعادة الإعمار. هل ستعيد الشهداء والثروات وآثار بلاد الرافدين التي نهبت؟ بالطبع لا، ولكن المقصود أن يظل ملء السمع والبصر أن واشنطن تدعم إعادة إعمار العراق مما خلفته الحرب على داعش.

كنت أتوقع أن يعلن مسؤول عراقي أو عربي عن فاتورة الاحتلال الأمريكي للعراق، وما تكبدته العراق من خسائر مادية وأدبية، والأرواح التي أزهقت، والأسرى الذين زج بهم في سجون الاحتلال الأمريكي، والجرائم التي ارتكبت، والأسلحة المحرمة، والممارسات القذرة التي كانت لسنوات ملء السمع والبصر.

إن الحرب على العراق كما أنها كانت شهادة وفاة نظام صدام حسين، فقد أعلنت أيضًا وفاة أنظمة عربية كانت تصارع البقاء، ولكن ظهور داعش أنعش تلك الأنظمة وأوجد لها مسمار جحا الذي أعادها إلى المشهد للانقضاض على الربيع العربي الذي قام لينهي سيناريوهات اللعب الدولي في المنطقة العربية، ويفرض كلمة الشعوب بعد أن ذاقت مرارة ألاعيب الأنظمة.

نعم، فقد تبارت الأجهزة الإعلامية للأنظمة التي قامت ضدها ثورات الربيع العربي في المبالغة من شأن تنظيم داعش وأخواته، على أن تلك التنظيمات هي ثمرة الربيع العربي الذي فكك الدول وقسَمها وأضاع المنطقة؛ بل إنك إن طالعت الإعلام الرسمي المصري أو السوري أو الليبي ستجد دون جخل اتهامات للربيع العربي بالتسبب في ما حل بالعراق والسودان من احتلال وتقسيم، رغم أن احتلال العراق وتقسيم السودان كان قبل الربيع العربي بأعوام.

إن جريمة الجيش الأمريكي وقوات التحالف البريطانية والأوروبية التي شاركت في غزو العراق لن تسقط ولن تُمحى من الذاكرة، مهما أعلنت من حروب على عدو وهمي يتم تسمينه للقضاء عليه وقت الحاجة، تمامًا مثل جريمة الصمت العربي الرسمي إزاء ما حدث.

نعم، يتحمل نظام صدام حسين مسؤولية ما آلت إليه بلاد الرافدين، ولكن الشعوب العربية تتحمل وزر صناعة أمثال صدام حسين بالرضوخ للاستبداد والمستبدين، وحمل الطغاة على الأعناق، ثم الصراخ من بطشهم وممارساتهم ولكن بلا فائدة، هذه الشعوب ليتها فهمت شعر أبي الطيب المتنبي كما حفظته حين يقول:

وإذا لم يكن من الموت بد ** فمن العجز أن تكون جبانا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك