وصف أحدهم عصرنا هذا فقال «كل شيء رائع جدًا، ولكن لا أحد سعيد!»، ولا شك بأن الأشياء التي يتحدث عنها صاحب هذه المقولة أشياء مادية بحتة؛ فمما يمكن ملاحظته أن الإنسان اليوم صار مغرقًا في المادية، بحيث إنه تحيط به كل متطلبات الرفاهية، على الأقل بالنسبة للإنسان الغربي، فيما تتطلع بقية الشعوب إلى مثل هذا المستوى، وفي هذا تعيش سجالًا محمومًا، ليس له نهاية!

وهذا، إن دل، فإنه يدل على ما يمكن أن نطلق عليه بـ«معيار الكفاية»، والذي يضعه النظام العالمي الجديد، أو بكلمة أدق: تضعه الحضارة الغربية ـ باعتبار أن هذا زمانها ـ والذي يمكن ملاحظته، بأنه بني ـ أساسا ـ على نظرة أو منطق الرفاهية، فنحن ـ إذن ـ حينما نتحدث عن إغراق الإنسانية في المادية، فلا شك أننا لا نقصد مجرد الاستغراق في تلبية المطالب المادية فحسب، بل نتحدث عن إحاطة المادية بعقله، واستعمارها لنفسه، وبالتالي جعلها النموذج أو المرجعية.

فالمادية إذن أصبحت هي المرجعية النهائية للإنسان في هذا الزمان بحجة الواقعية، ومثال ذلك: أن كل مادة علمية، أصبح معيار قبولها أو صدقها، هو موافقتها للواقع المادي! أو بمعنى أصح: موافقتها للوقائع المادية الملموسة.

ومن هنا لا يكون من عجائب الأمور أن تنتشر ظاهرة الإلحاد، فالدين ـ أولًا وآخرًا ـ له بعد غيبي، هو محور الدين ـ ولو على سبيل التصورـ وإذا كان هذا الحادث، فلن يكون أعجب من أن تستلب ذات الإنسان منه، تلك الذات التي تحمل، بالإضافة إلى المطالب المادية الحيوية، مطالب أخرى خاصة، مثل: المشاعر والتدين… وهي المطالب التي في كل مرة يدعي الفكر المادي بأنه تمكن من إحكام قبضته عليها، ليفاجئ في كل مرة بأنه كان يمسك بكومة رمل تسللت من خلال أصابعه، أي من حيث أعماه غروره!

الأمر الذي أوصل الإنسان المعاصر (وعلى وجه التحديد: الإنسان الغربي)، إلى أن يعلن استسلامه، في شكل ما يسمى اليوم بـ«الانسيابية الشاملة» أو «المطلقة» لما بعد الحداثة، من حيث أنها أعلنت عن أن لا مرجعية للإنسان في نهاية المطاف، فليتخيل معي ـ القارئ الكريم ـ إنسانًا بلا مرجعية!

إننا، وعلى حسب المرجعية القومية، والتي كانت ـ إلى ماض قريب ـ هي المرجعية السائدة، يمكننا أن نشبه الإنسان بلا مرجعية بالإنسان بلا وطن، أو على حسب المرجعية العصبية الخلدونية: إنسان بلا أهل أو عائلة!

وفي كلتا الحالتين يمكننا أن نلاحظ إنسانًا لا رابط له بأي موضوع، إلا الاستهلاك، إنسان يعيش؛ لكي يعيش فحسب «وهو الحاصل اليوم في المجمل»! أينما قادته الظروف التاريخية المحضة كان متواجدًا. بمعنى آخر: إنسان ينقصه الاستقرار، والأسوأ من ذلك، أنه إنسان لا يقدر على تقرير شيء بنفسه ولنفسه؛ لعلة افتقاده للمرجعية الضرورية في التقرير، من حيث أنه يستند عليها في ذلك.

ملخص الحديث: الاستغراق في المادية جعلت الإنسان مستلبًا في ذاته.

من هذا المنطلق، لا يمكننا أن نستنكر حالة تغول الدولة الحديثة، فالدولة الحديثة، عند أهل النظر اليوم، أصبحت متغولة، تتحكم في رقاب الناس، وفي أخص أمور الإنسان، «ويمكننا القول بأن هذا من الارتدادات التي أنشأتها ما بعد الحداثة».

وهذا التغول، فإن كان يدل على استلاب الإنسان في ذاته، فإننا لا يمكننا أن ندعي بأن الدولة الحديثة هي التي استلبت ذاته منه؛ لأن هذا القول يعني ـ بصيغة أخرى ـ أن الإنسان في الأصل لم يكن مصيره بيده، أو صاحب قرار لأمره «قل أو كثر في ذلك»، من هنا لا يصبح الأمر استلابًا لذات الإنسان منه، بل يصبح كأنه أمر مقدر بالجبر!

وهذا باطل؛ لأن حقيقة الأمر، أن الإنسان هو الذي أعطى للدولة هاته الأهمية المضخمة للدولة، ودليل ذلك هو المرجعية القومية، التي كانت، إلى ماض قريب، هي المرجعية النهائية، وعلى هذا الأساس تمكنت من التغول في ذاته.

فإن قيل بأن هذا كلام مردود عليه؛ لأن الإنسان اليوم يعيش في ظل أرقى نموذج للديمقراطية، والذي لم يسبق أن عايشته الإنسانية من قبل، قلنا بأن هذا الكلام، بغض النظر عن كونه مجرد ادعاء، وزيادة على كونه يستند على تأويل الوقائع الحاصلة اليوم، و ليس التأويل بمقدس في هذا الزمان! فهو يرد استلاب الدولة لذات الإنسان، ولا يرد فرضية تغول الدولة فيها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، «جورج برنارد شو» يقول «الديمقراطية لا تصلح لمجتمع جاهل؛ لأن أغلبية من الحمير ستحدد مصيرك»، أي بمعنى: أن الديمقراطية في أصلها لا تقبل «التكنوقراطية»، أو بمعنى آخر: لا تشترط العلم، ولا ندري أنحمد الله على ذلك، أم نعزي أنفسنا عليه؛ لأن عدم اشتراط العلم هنا يعني رده في تقرير الشأن العام؛ لأن من طبيعة المجتمعات الإنسانية أن قليلها عالم، وكثيرها جاهل، «على معيار درجة الوعي الجمعي»، فلا يبقى إلا الحس في شأن تقرير الإنسان لمصيره في ظل الديمقراطية، ما دام أن الإنسان اليوم قد فقد كل مرجعية له، حتى العلم!

و هو الأمر الذي تجيد وسائل الإعلام اللعب على أوتاره، وبما أنها أصبحت مؤسسات اقتصادية قائمة بذاتها، لها ميزانياتها الخاصة، فإنه من الطبيعي أن تكون بيد فئة من الناس، هم أهل رأس المال في عصر الديمقراطية (الوجه الثاني للرأسمالية)، والتي يقال فيها إن نسبة 20 % من سكان الأرض تملك نسبة 90 % من ثروات الأرض! وبغض النظر عن أمر دقة الإحصاءات، فإنها تدل على وضع قائم لا يخفى على أصحاب النظر.

إذن، يمكننا أن نطلق على الديمقراطية لقب «الاستبداد الناعم»؛ ذلك أننا أدركنا كيف أن الإنسان اليوم ليس مستلبًا في ذاته فحسب، بل إن الدولة الحديثة، والتي يمكننا الآن أن ندعي بأنها محض مجموعة من الرأسماليين، ترشد الإنسان إلى ما فيه مصلحتها هي فقط، لا إلى ما فيه مصلحته هو. ودليل ذلك، هو امتعاض معظم سكان الأرض من حالة معيشتهم، كما في حال القول الذي استهللنا به المقال.

فإذا كان هذا هو الحال الذي آلت إليه الحضارة الغربية، فأيا كانت منجزاتها في تاريخها، فالحال اليوم أنها تعاني من افتقادها للإنسان، وإذا افتقد الإنسان فقدت الحضارة؛ لأن الحضارة في الأصل هي ظاهرة إنسانية، وبالتالي فإن الحضارة الغربية اليوم تعاني من أزمة حادة، قد يمكن أن نطلق عليها «مرض فراش الموت».

فإذا تبين لك ذلك، تبين أن فقدان الإنسان لذاته (أو هويته) هي مشكلة حضارية جوهرية، وعلى هذا الأساس يمكننا الادعاء بأن استرداد الإنسان لذاته هو فجر لحضارة جديدة. فمن مشكلات الحضارة الغربية الآنية الخطيرة أو القاتلة «العولمة التي تعتمد اعتمادًا كليًا على العلمانية المتطرفة»، أي المعادية للهوية الإنسانية، ذلك أن العولمة في أصلها هي اختزال الإنسان في نموذج إنساني واحد، لا يمكن أن يكون، إلا «النموذج الدارويني»، أعني النموذج المادي المطلق، فلا عجب أن تفرغ الإنسان من هويته الإنسانية.

من هنا يتبين لنا أن الشرط الأساسي، أو على الأقل، أحد الشروط الأساسية لاسترداد الإنسان، هو «محاربة العولمة».

ولا شك أن معركة استرداد الهوية لن تكون سهلة؛ فمن السجالات المتضمنة في هذه المعركة «الجدلية الحديثة حول الهوية»؛ إذ إن بعض أصحاب النظر اليوم يدعون بأن الهوية في الأصل هي موجود مزيف أو وهمي، أي بمعنى بأنه لا وجود لها على أرض الواقع؛ إذ إن هذا التيار ينقض كل مقومات الهوية؛ بحجة أنها قابلة للتغير، فإذا كان الدين أول مقومات الهوية، فقد رأينا كيف أن في هذا العصر من قوضه بفكر «ما بعد الحداثة».

ولكن المؤسف في هذا الأمر، أن بعض الإسلاميين نحو هذا المنحى، دون أن يدركوا ذلك، بحجة أن الإسلام هو الدين عند الله! فإذا كان قولهم هذا حق، فإن قولهم هذا لا ينفي وجود غيره، أعني لا ينفي وجود الباطل، والذي هو معلوم أن الفكر الإسلامي يعدد أوجهه، وانظر إلى القرآن الكريم يخاطب مجرمي قريش فيقول على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ». هذا بغض النظر عن بقية مقومات الهوية التي قوضوها بحجة التغير، كـ«اللغة، العرق، الأرض…إلخ».

ونحن من هنا سنأخذ الهوية من زاويتين: الأولى، تاريخانية، والثانية، وجودية.

أما من زاوية النظر الأولى: زاوية النظر التاريخانية، فإن ما يمكن ملاحظته في الحضارات الإنسانية، بأن لا حضارة قامت إلا بشعور الإنسان بذاته، أي بهويته، بغض النظر عن الدوافع التي أفضت إلى ذلك؛ لأن شعور الإنسان بذاته يعني شعوره بموقعه في التاريخ، فكلما شعر الإنسان بهويته أكثر، كان دفعه الحضاري أكبر. ولذلك يمكننا القول بأن من شروط ظهور الحضارة (و هو ليس بالشرط الأول) هو الشعور بالهوية.

وعلى هذا، يتبين لنا ارتباط الهوية بالحضارة، بأن نقض الهوية يعني بالضرورة نقض كل الحضارات. وهنا لا يفوتنا الذكر أن العولمة لم تطل المكان فحسب، أي لم تطل مختلف الثقافات الإنسانية في تاريخها فحسب، بل إنها طالت كل التاريخ الإنساني، وادعت بأن كل الحضارات الإنسانية صبت كلها في الحضارة الغربية، وبالتالي في حقيقة الأمر، هم يرون بأن لا وجود إلا لحضارة واحدة: هي الحضارة الغربية. كما لا ننسى ذكر ادعاءات نهاية التاريخ، والتي تشير بشكل أو بآخر إلى فرضية أن لا وجود للحضارة في المستقبل ، أي في ما بعد الحضارة الغربية!

و أما عن زاوية النظر الوجودية، فالهوية في حقيقتها لا تعبر عن تواجد الإنسان على مستوى كل المساحات الزمنية والمكانية، أي على كل الحقب التاريخية، بل في الحقيقة هي تعبر عن وجود الإنسان في ظرف تاريخي معين، استنادًا على كونه لابد متفاعلًا مع ظروف معيشته، أي استنادًا على تفاعله معها. وبهذا الشكل يتبين لنا بأن تغير هويته لا يعني نقضها، بل يدل ذلك على تغير الحقب التاريخية على الإنسان، لا غير. فنحن إذا أفقدنا الإنسان هويته، أفقدناه فاعليته الحضارية بالضرورة.

فإن قيل: كلنا من آدم، وآدم من تراب، والأرض والكون وكل الموجودات لله، قلنا بأن هذا نسب ديني لا غبار عليه، ولكنه لا ينقض الهوية، بل يدخل في صميمها، من وجهة نظر تاريخانية، وهو روحها من وجهة نظرة وجودية.

ذلك أن الهوية تنشأ من تفاعل الإنسان، ذلك المخلوق من طين صلصال، المكرم  بالنفخة الإلهية فيه، وهذه الازدواجية في تكوين وجوده هو أصل تفاعله مع ظروفه التاريخية. فإن غاب أي من المستويين الوجوديين: الميتافيزيقي، والمادي، لم يكن للإنسان من وجود، على أن شرط الوجود التاريخي هو الوجود الميتافيزيقي، فإن حدث وانقلب الشعور في هذا الأمر رأسًا على عقب، تقوض وجود الإنسان ـ كما رأينا في سالف المقال ـ ذلك لأن تحكيم التاريخانية المطلقة يؤدي إلى تفكيك الإنسان، ومن ثم أدى ذلك حتمًا إلى فقدان وجوده، فشعور الإنسان الوجودي إذن هو أصل شعوره الهوياتي.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد