إن كثيرًا من الشباب أصبح اليوم يطمح لأن يهاجر للخارج, وأن يترك أحلامه المحطمة في بلده ويتركها ويسافر لبلاد الحرية والكرامة حيث يعُامل بإنسانية واحترام لحقوقه, وليعمل هناك ليأخذ فرصته المسلوبة في وطنه وأن يعيش في بيئة نظيفة وبشوارع مرصوفة ومستشفيات ومدارس قابلة للاستخدام الآدمي.

إن كل تلك التطلعات ليست حرامًا ولست أستنكر عليه أن يطلب هذا, بل هذه التطلعات هي كل ما نطمح جميعًا إليه, ومنعًا للفهم الخاطئ أنا لا أقصد أبدًا الشباب الذي سافر للخارج بسبب المطاردة الأمنية أو خلافه فهؤلاء لا أعيبهم بل أحترمهم, فكثير منهم محكوم عليه بالمؤبد وبالإعدام وخلافه من التضييق ببلده وأعلم أنهم يتمنون العودة لبلادهم ومشاركتنا.

إنما ندائي للشباب الذين امتلأت صدورهم باليأس وفقدوا الأمل في تحرير أوطانهم من الاستبداد والظلم والجهل, ووجدوا في طريق الهجرة الأمل, لكن للأسف أعتقد أن الهجرة أصبحت اليوم فناءً للعمر وجمعًا للمال وتضييعًا للهوية.

فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ إعلان جورج بوش مصطلح الحرب على الإرهاب، ومع الآلة الإعلامية باختلافها من أفلام وقنوات إخبارية وصحف وحتى الكرتون؛ رسخت في عقل الأوروبيين والأمريكيين أن المسلمين إرهابيون وأنه دين رجعي ودين سفك دماء, هذه نظرة المواطن العادي هناك.

لذا من الصعب عليك – إذا كنت شخصًا متمسكًا بإسلامك – أن تندمج في هذا المجتمع خصوصًا أن الأمر يتزايد هذه الأيام, وسيعاملونك على أنك مصدر تهديد لهم.

كما أن الدول الأوروبية خاصة والغرب عامة تُعاني من ارتفاع مستويات البطالة, ففرصة العمل للمهاجرين ضعيفة جدًا خصوصًا أن شهادتك المصرية غير معترف بها, فتعمل في أماكن غير لائقة وأعمالًا مجهدة جدًا وبمرتب زهيد أو ربما لا تجد هذا العمل حتى.

الرأسمالية المتوحشة التي تقوم بالأساس على استغلال حاجات الناس, تحولك كآلة للعمل وتستهلكك تمامًا لتكون حياتك للنوم للعمل وللعمل للنوم, هكذا بدون معنى للحياة أي بدون هدف أسمى للإنسان، والهدف الأسمى يجب أن يكون أي شيء غير جمع المال.

والدول الخليجية أسوأ مما سبق؛ مثل نظام الكفيل في السعودية والكثير من الظلم الذي يقع على العاملين هناك الذي لا حاجة لشرحه.

إن الدول المتقدمة لم تُخلق متقدمة، بل ذلك التقدم كان نتاج كفاح طويل وتضحيات كبيرة، ومر على تلك البلدان عصور أكحل من عصرنا وظروف أصعب من ظروفنا، ولكنها اتجهت لطريق النضال والحرية ثم طريق الترجمة والعلم حتى تصل إلى ما هي عليه.

الأنظمة المستبدة والأجهزة القمعية تم زرعها وتوطيد حكمها لمدة طويلة، في مصر مثلًا الجيش المصري استثمرت فيه أمريكا بأسلحة وتدريب وتمويل لمدة أربعين عامًا, والدولة العميقة تم إنشاؤها منذ جمال عبد الناصر، والشرطة المصرية يتم تسليحها وتدريبها لعقود، فهل كان من المنطقي أن تسقط كل هذه الأجهزة والأنظمة في ثمانية عشر يومًا بمظاهرات سلمية؟!

25 يناير ثورة لا شك في الأمر, ولكن كما قال الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل فك الله أسره، أن الشعب المصري ينجح في إقامة الثورات لكن يفشل في الوعي.. يفشل في الحفاظ عليها, كلما قام بثورة التفت عليها الدول وأجهزة المخابرات لإجهاضها أو استغلالها كما استغل الجيش ثورة 25 يناير في القضاء على التوريث.

وإذا كان طموحك إعادة الخلافة فلقد حارب الغرب الخلافة وحاول إسقاطها لقرون. بالتأكيد لن تعاد إقامتها في مدة قصيرة, كما أن الغرب لن يسمح بذلك فمجهود قرون لن يتركه يضيع أمام عينيه.

إن أحلامنا وطموحاتنا في التقدم ليست مستحيلة، ولكن إدراكنا للواقع ليس صحيحًا بما جعلنا نتصور أن الأمر سيحدث بمدة قصيرة أو بعضنا ظن أن الأمر قد تحقق وبناء الأمجاد سيبدأ, ولكن عندما اتضحت الحقيقة انتشر اليأس والرغبة في الهروب من واقعنا والعيش في كنف آخرين ونتسول الكرامة وحقوق الإنسان ولقمة العيش من غيرنا.

لابد أن يترك كل شخص أنانيته ويسعى لتحقيق الحقوق الأساسية لبني وطنه، وإن حصل عليها في هجرته.

الكثير يعتقد أن حكومة مصر ستفقد الكثير إذا سافر؛ أي أنهم سيندمون لفقدانهم كفاءة مثله, ولكن الحقيقة أن الحكومة تشجع تسريح مواطنيها في الخارج وبدون أي رعاية لهم من السفارات؛ لأن كثيرًا من المسافرين يتركون أهلهم في مصر ويرسلون إليهم أموالًا أو يرجعون في الإجازات لذا هم مصدر دخل للعملات الأجنبية في مصر التي غالبًا تُسرق أو تشترى بها أدوات القتل الشرطية.

من غير المعقول أن يسافر عقلية مثمرة واعية مثل الأطباء والمهندسين والعلماء والمعلمين والأدباء ليتسرح في دول الخريج أو يعمل غسالًا للصحون في أوروبا، وأن يبقى الجاهل البلطجي في مصر كالمخبر وأمين الشرطة وضباط الشرطة, الذين لا يفقهون شيئًا في العلوم الإنسانية والطبيعية ولا يعرفون علمًا سوى القتل أو التعذيب في بلادهم مكرمين وسط أقاربهم. سفرك للخارج وصمتك عن هذه المنظومة يعني رضاك عن هذا.

وكون شخص مثل السيسي يكون رئيس بلادك وبرلمان به مرتضى منصور وعكاشة, هذا الأمر سيبقى عارًا يلاحقك مهما ذهبت, ففضائحهم منتشرة في العالم كله, هذا العار لن يزال إلا بمقاومة الانقلاب لا الهروب منه.

أنا أقصد بمقالي الذين كما يصفون تركوا السياسة، وأن لا أمل من مقاومة الانقلاب، وأن لا حل إلا بالهجرة، وأن يعتبر أن مصر ليست بلاده. أما المهاجرون المصريون الذين لهم مواقف بطولية مثل الدكتورة فجر العادلي وغيرها من المصريين الشرفاء في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وكل بقاع الأرض، الذين لا يزالون يقاومون الانقلاب بما لديهم من وسائل ولهم دور عظيم في محاصرة الانقلاب وإعلامييه وإحراجه، فهؤلاء لهم التقدير والتحية، حبذا أن يكون جميع المهاجرين مثلهم, لأنهم اختاروا المقاومة مع استطاعتهم الفرار لحياتهم, وأعلم أنهم لم يتركوا مصر إلا اضطرارًا وأنهم يحلمون أن يعودوا لمصر في أقرب وقت.

أما من يهربون من هويتهم ويعتبرونها وصمة عار، وأن عليهم الهجرة لأن بلاد التخلف هذه ليس مكانهم، بل مكانهم الدول المتقدمة؛ هذا تفكير أناني.

إن حب الوطن من الإيمان حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال “أمَا والله لأخرج منك، وأني لأعلم أنك أحب بلاد الله إليّ، وأكرمه على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منكِ مَا خرجت”, وسرعان ما فتح الله مكة بعد الهجرة عندما توفرت القدرة إليه.

خلاصة القول أن الوطن يحتاج لشباب مستنير مثلكم، ومن الخاطئ أن نترك بلادنا بمقدراتها للجهلة والخونة، بل علينا أن نقاوم حتى يعود الحق لأصحابه، وهذا السبيل الوحيد للتقدم المأمول لأن الحرية والعيش والكرامة لا تمنح لكنها تنتزع.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد