«جميع جنود الجيش الأحمر  أبنائي ولن أبدل الملازم بالمارشال»، كان هذا رد ستالين بالرفض التام لصفقة تبادل الأسرى عندما وقع ابنه ياكوف أسيرًا في يد الألمان.

حاشا لن أقارن نفسي الجدباء بستالين العظيم، وبخطاه الدامية. لكنني سأطلق على جسدي لقب الجيش الأحمر، سأروي قصته كحرب غير منتهية، أزلية. سأتحدث من قلب آلامي غير مبالية لما قد يحدث ففي النهاية لن أتنازل عن حرب جيشي حتى الموت –أرجو ذلك حقا-.

منذ أن وعيت على خطوات قدميْ وأنا أعلم بأن هذه البطة تضع قدمًا أمام الأخرى بشكل هزلي دون قصد، فتثير ضحكات المقربين والمقربات –وضحكاتها هي الأخرى- كأنها دمية سمينة تتحرك. وبالرغم من أنها تعلم أن هذه المشية المضحكة سببها الأساسي هو عدم تقوس عظام قدميها كباقي الأشخاص إلا أنها وضعت في مؤخرة رأسها أن السبب الرئيسي هو سمنة غير مفرطة.

لم أحب نفسي قط، فأنظر إلى المرآة متعجبة كيف تحيا فتاة مثلي؟ أيجب أن أتخلص من هذا العبء وأخلص الكون أجمع منه؟ لماذا يجب على البشرية تحمل هذه الفتاة؟

فكرهت جسدي في بداية الأمر، اذهب ووجهي مغروس في الأرض متجهة إلى منزلي ثم إلى المطبخ لأدفس رأسي في طعام لا أشتهيه.
كان كل شيء معتدل هادئ إلى أن أضطر لشراء ملابس جديدة، فيصدمني الواقع بأن فخذيّ أكبر من اللازم أو ذراعي الأيمن لا يتناسب مع تلك البلوزة الوردية التي قد تجعلني اقترب من لقب فتاة. –آاه كم كنت أحارب للحصول عليه في مجتمع ينعتني برجل لمجرد أن اهتماماتي لم تكن مساحيق التجميل أو الأشياء اللامعة-.

أنتقل من هذه المرحلة لتلك، فاختياراتي لا تناسب جنسي وعقلي لا يناسب سني وأفكاري لا تناسب وطني إلى أن دقت أفكار ناضجة أبوابًا مغلقة في أخاديد عقلي، تمدد وتقلص مئات المرات في مجتمع جامد أحمق جعلني مرفوضة، غريبة. قد نُبذ جيشي الأحمر منذ وقت لا أعلم بدايته.

فهو الخروف التائه في القطيع، الذي ينتظر في نهاية المسيرة ويعبر إلى الضفة الأخرى ليترك الجميع ويبحث عن فضاء لامع لا وجود له.

دعابات كثيرة على تقلصه وأخطائه ودعابات أضخم على كبره وطموحه، دعابات منطقية والمنطق لا يناقش. المنطق يدرس، فيزداد عدد الذين يخلطون بين التنمر والضحك فلم تعد تعلم كيف تستقبل الإهانة المنطقية.

فدعابة من صديقة تتفلسف على «طفاستي» وحبى للطعام، وهى لا تعلم ما يصاحبها من ضوضاء بداخل عقلي بأنني قبيحة وبأن جسدي سيصبح كمن يتم الاستهزاء بهم في الأفلام والمسلسلات.

ودعابة من فلان الذي ينظر إلى ثورتي بعين قبيحة.

ودعابة من فلانة التي لاحظت أن طريقة وضعي لقدمي على الأرض «مضحكة»

ودعابة من فلان أن آلامي النفسية كلها أوهام لا صحة لها،

ودعابة ودعابة ودعابة..

فنضحك سويا ونمارس جميعا هوايتنا، هم «التنمر» أما أنا «الضحك».

جيشي الأحمر مريض بمرض عضال، يكره كل جزء فيه وفي نفس الوقت يحبه حتى الجنون. فهو لن يسمح بضياعه لكن إن ذهب عقله لن يحاول ردعه أو الإمساك به.

فالطريق المؤقت الذي أخبرتني به أمي عندما بكيت في الصفعة الأولى من أرقام الميزان الأزرق، ليس مؤقتًا بطبيعة الحال فهو سلسلة من الأحداث مترابطة بشدة معقودة حول رقبتي لن أستطيع الإفلات منها، وحتى إن استطعت سيعقد المجتمع واحدة أخرى وأخرى وأخرى حول رقبتي ومعصمي وقدميْ… فالطريق موحل، لا أستطيع الخروج منه إلا على مكعبات متشابهة أتمسك بها.

جيشي الأحمر مجرد نيزك، صخور محطمة تجمعها قوة ما، في مدار لا تنتمي له، ككل شيء تدور فيه. نيزك أعتقد للحظة أنه شهاب يلمع فتبختر وانطلق، لكنه سرعان ما اصطدم بالأرض فتيقن أنه مجرد صخر، غريب عن الأرض التي سقط عليها. وبالرغم من تكدس الناس حوله وحديثهم الرائع عن الحجر النيزكي النادر، فإنه يشعر بسخافة الأمر، بأنه غريب، وبأن وطنه بعيد جدًا جدًا. والوطن بالنسبة له قشعرة تعتري جسده وسرعان ما تنتهي دون أن يعرف من أين جاءت.
ومن أين يأتي الوطن؟ أهو شعور يضرب قلبك فجأة أم هو شخص متجسد يحتضنك فتذهب غربتك بعيدًا؟

أم هو عاصفة تأتي وتأخذك إلى محيط تسكنه أساطيل غريبة لتتركك هناك وحدك؟

لا يهم ذلك إذ تبدأ حروب جيشي في الانصهار كأنها لعبة نراها في برامج الأطفال ويتكون وحش مخيف يأكل من يقترب منه، حتى وإن كان صغيره وحش رضيع ما زال ينمو، فتذكرت كرونوس وهوسه بأن يفعل به أولاده ما فعله هو بأبيه، الذي جعله أن يبلع أطفاله الواحد تلو الآخر، لكن أين زيوس الآن لينقذ إخوته من فجر كرونوس؟ لينقذ جيشي من فجر حروبه.

ثم يكبر الوحش ويتضخم ويبث الخوف في عقلي من فمه الحشري الضخم ليتخللني كل يوم وكل لحظة لا يتوقف إلا عند النوم ليتحول لكوابيس مزعجة ترهقني.

أعلم، على مدار التاريخ تعرف الجيوش المحاربة فترات حرب تقطعها فترات سلم للراحة والتخطيط، لماذا إذن لا أعرف السلم أبدا؟ لماذا أخاف على عنقي من يداي عندما أتوقف عن المحاربة وأقف متسمرة دون حِراك، على جسدي عندما أتناول قضمة طعام وتبدأ سلسلة من الضوضاء تقتحمني، على صوتي عندما يرفض الخروج ويتركني صامتة بعد دعابات كثيرة،
على عقلي عندما يذهب إلى كهوف مسكونة، على جميع مَن يقترب من جلدي الخشن؟ آاه يقتلني هذا الخوف، يقطع أحشائي إلي نصفين.. لكن لا بأس فجيشي سينتصر في النهاية، أليس كذلك؟ سيرفع الراية الحمراء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة! سيموت كباقي الأجساد المهترئة، سيحيا غريبا بمعرفة تقتله ودعابة تخرسه لكنه سيحافظ على رايته، لا بد أن يحافظ عليها!

فما أخشاه هو أن يمل الانتظار، أن يقطع رايته وهو يلفظ أنفاسه التائهة، لاهثًا لحياة يفتقدها، لطبيعة هادئة.
أخشى أن يبدل الملازم بالمارشال ويتخلى عن رايته الحمراء ويتلون باللون الأبيض الكريه ثم يذهب إلى جحيم آخر بعد النَفَس الذي اضطر أن يكون الأخير…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد