في السادس عشر من مارس عام 1978 قامت منظمة الألوية الحمراء – وهي منظمة إيطالية إرهابية سرية متطرفة، تأسست عام 1970 في ميلانو – باختطاف رئيس الوزراء الإيطالي وزعيم حزب الديمقراطية المسيحية “ألدو مورو” أثناء ذهابه لمبنى البرلمان الإيطالي وقتلت خمسة من حراسه الشخصيين، كان مورو متوجهًا للبرلمان للحصول على ثقة النواب للدخول في تحالف حكومي يسمح للشيوعيين بالمشاركة في الحكم، وإنهاء عقدين من التوتر وعدم الاستقرار، مما عرف وقتها “بالحل التاريخي”.

فمن يا ترى كان يقف وراء هذه المنظمة؟

خلال القرن الماضي كانت الشيوعية قد بدأت تنتشر في أوروبا بشدة، وتكتسب أنصارًا من الشباب كل يوم، بشكل أقلق الدول الغربية، التي كانت ترى منذ اللحظة الأولى في الشيوعية الخطر الحقيقي عليها، وأصبح الصراع الأيديولوجي بين اليمين (الرأسمالي) واليسار (الاشتراكي) على أشده في هذه الدول.
كان الخوف الرئيس لدول أوروبا الغربية من الشيوعية، مما جعل بريطانيا وفرنسا تقومان في وقت ما بدعم هتلر النازي، بكل ما يحمله من أفكار عنصرية دموية، فور وصوله لمنصب المستشارية في ألمانيا عام 1933 ظنًا منهما أنه سيكون خط المواجهة الأول ضد الشيوعية.

واستغل هتلر ذلك لمدة ست سنوات كاملة حتى جاءت المعلومات الاستخبارية إلى لندن وباريس صيف العام 1939 أن هتلر لا يريد التوجه شرقًا فحسب، بل أن أوروبا هي هدفه الرئيسي، عقد هتلر معاهدة عدم اعتداء مع الزعيم السوفيتي ستالين، وبدأ في اجتياح القارة العجوز! بولندا ثم هولندا وبلجيكا ولكسمبورج، وفرنسا!

وقتها قامت الدعاية الغربية بشيطنة هتلر والاستعداد لمواجهة هذا الخطر الكاسح (انظر روجيه جارودي: كيف نصنع المستقبل، الباب الرابع: هتلر كسب الحرب).

وعقب الحرب فُرضت عقوبات وقيود على انتشار الأفكار التي يرى الغرب أنها خطر عليه، ومنها مثلًا في إيطاليا، فعلى الرغم من الأغلبية المهمة التي كان يحصل عليها الحزب الشيوعي الإيطالي في البرلمان فإنه لم يحصل على أية وزارة، بسبب أنه مقصى من الحكومة!

 

كانت الغالبية الساحقة من المواطنين المنخرطين في الحركات الاجتماعية لليسار تلجأ إلى أشكال غير عنيفة من الاحتجاج مثل المظاهرات، وأعمال العصيان المدني، والكثير من النقاشات الحادة. وسياسيًا كان الحزب الشيوعي القوي، وأقل منه، الحزب الاشتراكي، في قلب البرلمان الإيطالي، متعاطفين مع هذه الحركة فكانا يدينان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، وحرب فيتنام وكذلك توزيع السلطة في إيطاليا الذي يقصي الشيوعيين من السلطة رغم الأغلبية التي يحوزون عليها!

إلا أن بعض حركات اليسار المتطرف لجأت إلى العنف مثل حركة الألوية الحمراء سالفة الذكر، وحركة الجناح المسلح الأحمر (لاحظ اللون الأحمر يشير بوضوح للشيوعية).

وكلعبة البينج بونج التي تحتاج لطرفين حتى تستمر، وفي المقابل لجأت أحزاب اليمين إلى إعداد تنظيمات سرية مسلحة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو (وهو ما عرف بعد ذلك بالجيش السري للناتو) للقيام بعمليات إرهابية دموية وإلصاقها بهذه المنظمات اليسارية لفض الناس عنها من ناحية، ولتبرير أعمال القمع وتقييد الحريات التي يقوم بها اليمين الحاكم آنذاك.

فيما بعد وبعد عشرات السنين اتضح أن معظم هذه العمليات لم تكن من فعل هذه المنظمات اليسارية التي اتهمتها الأنظمة الحاكمة وإنما من صنع أفراد من تدبير من الدولة بغطاء أمني واستخباري وعسكري قوي وهذا ما أصبح يعرف باستراتيجية التوتر.

وهذه الاستراتيجية – كما وضحنا في عدة مقالات سابقة – تعني باختصار قيام الأنظمة المراد تدعيمها بعمل عمليات عنف دموية، ونسبتها إلى تيارات إرهابية وهمية أو مصطنعة عبر أداة إعلامية جبارة، بغرض إحكام هذه الأنظمة السيطرة على الحكم وممارسة سياسات قمعية متشددة تروج لها حملات دعائية ضخمة كي يؤيد الرأي العام هذه الأفعال، أو على الأقل يقف على الحياد بخوف.

وفي مارس 2001، لمح الجنرال جيانديليو ماليتي، القائد الأسبق لمحاربة الجاسوسية، إلى أن الاغتيالات التي أفقدت الشيوعيين الإيطاليين الثقة، تلقت كذلك موافقة البيت الأبيض وجهاز المخابرات الأمريكية، علاوة على موافقة الشبكة السرية الإيطالية، والمصالح السرية العسكرية الإيطالية، والفرق الإرهابية اليمينية المتطرفة.

وقد اعتمدت هذه السياسة نظمًا قمعية أخرى عدة أشهرها الجيش الجزائري عقب الانقلاب الذي قام به على الانتخابات والمسار الديمقراطي عام 1992 بعد أن أثمرت الجولة الأولى عن فوز الإسلاميين، حيث اتضح بعد ذلك أن كثيرًا من أعمال القتل والعنف التي حدثت في الجزائر كانت بتدبير من الجيش نفسه! والذي نسبها بطبيعة الحال للمتطرفين الإسلاميين.

جاء في مقدمة كتاب الحرب القذرة الذي يروي فيه حبيب سويدية – وهو ضابط سابق في القوات الخاصة في الجيش الجزائري 1992/2000 – أساليب الجيش الجزائري في القمع والتنكيل بالمعارضين تحت عنوان فرعي باسم “استراتيجية التوتر” ص 16:

 

“غداة انقلاب كانون الثاني (يناير) عام 1992 بدأت هجمات ضد رجال الشرطة والعسكريين، وكان القمع الحكومي فظًا. لم يكن لجنود وضباط القوات الخاصة في الجيش الوطني الشعبي خبرة بمكافحة الإرهاب مما جعلهم مادة سهلة للتلاعب ولم يكن للسكان أية ثقة بهذه الوحدات التي تتدخل دون أي احترام لحريات المواطنين. عمليات توقيف وتميشط وتفتيش واسعة تطول أشخاصًا بمجرد اشتباه بشراكتهم مع الإرهابيين، وليس بناء على حجج قانونية، ومنذ عام 1992 استهدف جوهر عمليات القمع السكان المدنيين الذين يفترض أنهم يدعمون الجماعات المسلحة أكثر مما استهدف هذه الجماعات (!)”.

إن السؤال الذي يطل برأسه بقوة، من أين لداعش في سيناء بصواريخ كورنيت روسية الصنع، وصواريخ مضادة للطائرات، وهي صواريخ غير متاحة حتى للثورة السورية صاحبة الحدود المترامية مع تركيا!

إن إسرائيل تراقب السمك في الماء، والسيسي يقوم بتجريف الأرض وتهجير الأهالي، والبحر من الشمال والجنوب في سيناء، فكيف أتتهم هذه الأسلحة؟ إسرائيل أرسلت طائراتها لتصفية مقاومين فلسطينيين في تونس، فهل تترك على حدودها تنظيميًا راديكاليًا تعتبر القاعدة بجواره تنظيمًا معتدلًا! ولم لا توجه داعش هجماتها تجاه الصهاينة في إسرائيل، أو تجاه الروافض في إيران! لم كل ضرباتها للإسلام السني المقاوم، في سوريا وليبيا والعراق، والآن تهدد غزة!

وعندما تدخل السيسي في ليبيا، لمَ لم يوجه ضرباته للتنظيم الإرهابي الذي قتل الأقباط هناك؟ على العكس ضرب فصائل الثورة الإسلامية التي تقاتلها داعش! ولا ننسى أن أحمد قذاف الدم ابن عم القذافي مدح في حوار مع وائل الإبراشي تنظيم داعش ودافع عنه! فما الذي يجعل داعش تتلاقى مع القذافي؟
إن القمع الذي يتعرض له الإسلاميون وبشكل غير مسبوق يدفع البعض إلى الفرح بأي انتصار ضد المجرمين الانقلابيين في الجيش! ولا ننكر أن في كل هذه التنظيمات السرية شباب مخلصون، وإلا فما الذي يدفع أحدًا لتفجير نفسه، إلا أن التنظيم ككل عليه علامات استفهام كبيرة، مما يرجح أنه أداة غربية لتبرير وجود الأنظمة الموالية له في المنطقة، ولإشعال فتيل الحروب الأهلية الطائفية فيها!

لقد كان اغتيال النائب العام في قلب القاهرة وبجوار سور الكلية الحربية مخرجًا للسيسي للهروب من استحقاق 30 يونيو، ومن الدعوات التي خرجت للتظاهر فيه، ومشى في جنازته يطالب ترزية القوانين بسن مزيد من القوانين التي تغتال العدالة أكثر وأكثر! ثم جاءت حادثة سيناء يوم الأربعاء للتغطية على مشهد انقلابه الذي أطاح فيه بأول رئيس منتخب!

وفي كل استحقاق انتخابي أو سياسي، ومع كل أزمة أو مطالبات اقتصادية سنرى حادثًا هنا أو تفجيرًا هناك، لتخويف الناس وإرهابهم، كي يعيشوا دائمًا في “توتر”، عملًا بهذه الاستراتيجية اللعينة: استراتيجية التوتر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد