كثيرًا ما يتم تداول مصطلح «الخط الأحمر» أو «الخطوط الحمراء» على ألسنة السياسيين باختلاف توجهاتهم ودولهم لوضع محددات سياسية أو لتحجيم تصرف سياسي معين، من قبل الطرف المنافس لهما وللحيلولة دون اتخاذ الخصم لموقف لا يريده أو لا يتناسب مع مصالح أصحاب «الخطوط الحمراء».

ولغويًا لا يلبس على أي إنسان معنى كلمة «الخط الأحمر»، إلا أن ما تعنيه تلكما الكلمتان سياسيًّا هو الذي يجعل الآخرين في لبسٍ وعدم فهم حول ماهية المعنى الحقيقي لهما، حيث إن المعنى بالنسبة للسياسيين له خاصية المطاطية، ويمكن أن يُركَّبهما في أي قالب يريدون، وذلك حسب الضرورات، بالإضافة إلى أن تطبيق المحددات يعتمد على مدى قوة الدولة أو السياسي على ترجمة أقوالهِ ومحدِداته الحمراء إلى إجراءات رادعة للخصم.

فهذا الرئيس الأمريكي يضع خطوطـًا حمراء، إذا ما استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي ضد شعبه، ولكن اللون الأحمر لخطوط «أوباما» تحولت على ما يبدو إلى اللون الأخضر، وإشارة إلى «بشار الأسد» بعمل كل ما يمكنه من إبادة شعبه، وهذا ما كان يحذّر منه «أوباما» ولم تفعل أمريكا شيئًا لتبِر قسمها على تلك الخطوط الحمراء. كما أنها هي نفسها (الإدارة الأمريكيّة) التي صعدت من لهجتها المنتقدة لروسيا ولقصفها الجوي الإجرامي بحق الشعب السوري، متهمةً إيّاها بتجاوز «الخطوط الحمراء» التي رسمتها الإدارة الأمريكية لها بما يخص الشأن السوري، وإنها سوف تتخذ تدابير صارمة وإجراءات قاسية تجاه التدخل الروسي. وفسر كثير من المحللين المتفائلين والمؤمنيين بأن اللون الأحمر الأمريكي مصنوع من أصباغ لا يعتريه التغيير بسبب الظروف الجوية السيئة، وقالوا إن إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك هو تهديد من الناتو وأمريكا لروسيا بتجاوزها الخطوط الحمراء. وبعد فترة وجيزة شاهدنا تحول أمريكا من لاعب أساسي في المنطقة إلى تابع ذليل لروسيا وسياساتها، وتخلت عن كل خطوطها الحمراء لتصبح ألوانها شاحبةً تشبه لون وجوه ساستهم الشاحبة المكفهرة.

وعلى الجانب التركي، فلطالما أطلق الساسه الأتراك العنان لخطوطهم الحمراء، بما يخص القضية السورية، ومع ذلك لم يبق خط أحمر لم تجتازهُ القوى المناهضة لها من النظام السوري والمليشيات الشيعية المحاربة معه، بالإضافة إلى الأكراد السوريين، ومع ذلك لم يفعلوا شيئًا لتنفيذ تهديداتهم للحفاظ على خطوطهم الحمراء التي رسموها لأنفسهم، بل إنهم أبدلوها بخطوط حمر جديدة أقل راديكاليةً من سابقاتها.

وكانت تركيا تلوّح بخطٍ أحمر لتجاوز الأكراد السوريين للجهة الغربية لنهر الفرات، وقد تجاوز الأكراد هذا النهر واحتلوا مدننًا عديدة قرب مدينة عزاز، مثل «تل رفعت» و«مارع» وغيرها من المدن التي كانت تحت سيطرة قوى المعارضة المعتدلة شمال حلب والجميع كانوا يتوقعون رد فعل تركي عنيف تنفيذًا لمحدداتها التي رسمتها لنفسها، واحترامًا لخطوطها الحمراء، لكن الذي حصل هو اعادة رسم خطوط حمراء جديدة تتوافق مع التقدم الكردي قرب الحدود التركية، وأصحبت مدينة عزاز هي الخط الأحمر الجديد والوحيد في محددات السياسة التركية في سوريا. ونحن نخشى الآن أن تكون الخطوط الحمراء التركية الجديدة بالقرب من مدينة أنقرة أو مدينة اسطنبول داخل العمق التركي.

أما إذا أردنا الحديث عن السياسيين العراقيين فما أكثر خطوطهم الحمراء، فهذا وزير خارجيتهم «إبراهيم الجعفري» ورئيس الوزراء «حيدر العبادي» يقولان إن التجاوز على السيادة الوطنية «خط أحمر» ملمحان بذلك لدخول قوة تركية محدودة لشمال العراق، ويتبعهما «المالكي» رئيس الوزراء السابق ويفصح عن «خطوطه الحمراء» القانية، ويتبع كل أولئك المليشيات المنتمية إليهم والتي تعمل بإشراف ورعاية إيرانية بخطوطهم الحمراء التي لا تكاد تنتهي. وعلى الرغم من أن الأراضي العراقية تعج بالقوى الأجنبيّة، الأمريكية منها والإيرانيّة ناهيك عن المرتزقة من الأفغان والباكستان الذين يخترقون السيادة الوطنية للبلد بدخولهم للعراق من غير حسيب ولا رقيب، إلا أنّ السياسيين العراقيين وبدون حياء يتحدثون عن انتهاك السيادة العراقية هي «خط أحمر» لأن قوة تركية محدودة دخلت الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من كل تلك الحزم من «الخطوط الحمراء» القرمزية العراقيّة، إلا أن القوات التركية لم تخرج والقيادة العراقية لم تفعل شيئًا إزاءها. كما نرى أنّ القوات الأمريكية تزيد قواتها بالعراق وتخطط لمصير البلد بالتوافق مع إيران ومع ذلك لم تحرك القيادة العراقية ساكنـًا إزاءها. فيالها من «خطوط حمراء». ولو أصابهم عمى الألوان ولم يعودوا يميزون ما بين ما هو أحمر وما بين هو غير أحمر لكنا عذرناهم ولتمنينا لهم الشفاء العاجل من مرضهم هذا.

أما عن خطوط الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» فحدث ولا حرج حتى ضاعت البلد بيد «الحوثيين» ودخلت حرب أهلية لا تبقي ولا تذر. فكلما خرج علينا بخطبهِ العصماء تحدَّث عن خطوطه الحمراء، فلطالما حذر «الحوثيين» من تجاوز «الخطوط الحمراء»، ولكن الجديد الذي يختلف فيه «هادي» عن بقيه إخوته أصحاب «الخطوط الحمراء»، هو عدد تلك الخطوط وألوانها الباهتة لكثرة استخدامها حتى أصبحت كالثوب الخرق، ربما كان يقصد بالخطوط الحمراء أنها تنتهي عند غرفة نومه أو عند سريره ونحن لا نعلم. وإلا فكيف نفسر أنّ «الحوثيين» بدوا يقضمون البلد شيئًا فشيئًا ولم يحرك «هادي» ساكنًا إزاءها، وحتى لو تحدثنا عن خطوط حمراء تنتهي عند بيته أو غرفة نومه وسريره، فهو بالنهاية تركهما وهرب إلى عدن ثم بعد ذلك ترك عدن وهرب إلى السعودية، فهل تبقى شيء اسمه خطوط حمراء، وأقصى ما فعله حين احتل «الحوثيون» العاصمة صنعاء وحاصروا بيته الشخصي أنه قدم استقالته، والمفارقة المضحكة أن «الحوثيين» لم يرتضوا منه ذلك الموقف، وكانوا يريدون منه شرعنة احتلالهم لكامل اليمن من خلال منصبه الرئاسي.

يبدو أننا في زمن المتكلمين لا زمن الذين يترجمون كلامهم إلى أفعال بل نحن في زمن أشباه الرجال فلطالما خدع السياسيون شعوبهم بكونهم المدافعين عن ثوابتهم الدينية الأخلاقية وعند ساعة الامتحان، نرى أنّ كلامهم يذهب أدراج الرياح ليحل مكانه كلام آخر يخدعون به شعوبهم، والرأي العام مرة أخرى ويستمر المسلسل، وهكذا دواليك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد