هناك الكثير من القضايا التي يخشى البعض من التطرق لها نظرًا لحساسيتها المفرطة أو لتشابكها مع القضايا الدينية، لكن لا مفر من التطرق لتلك القضايا نظرًا لتأثيرها اللامحدود على كافة النظم وعلى جموع كثيرة من البشر؛ لذا كان لابد من تناول تلك القضايا بشيء يسير حتى يمكن التعامل معها.

من تلك القضايا قضية هل الإنسان مخير أم مسير: تلك قضية أزلية بحث فيها العلماء والفلاسفة وقتلت بحثًا، فهل نحن نمتلك الإرادة الكاملة الحرة؟ وهل كل ما ينبع من داخلنا داخل دائرة الحرية الكاملة؟

هناك من الفلاسفة من يقول بأن مبدأ الحتمية السببية هو ما يحكمنا ويقول هذا المبدأ أن كل أفعالنا ومشاعرنا وما سنقوم به محدد مسبقًا في جيناتنا وخلايانا ومن ثم فنحن لا نملك الحرية في أفعالنا، أي أن الأنسان في المصطلح أنه مسير ولا يملك من أمره شيئًا، فأفعاله ومشاعره موجودة سلفًا ومحددة من قديم الأزل.

إذا أخذنا بمبدأ الحتمية السببية تنتفي صفة الجنة والنار من أنهما نتيجة للثواب والعقاب، هذا لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر. وإن أخذناها على أمورنا الحياتية فلا ثواب أو عقاب ولا محاكم أو سجون. فكيف نحاكم على أمور جبرية موجودة في جيناتنا.

والكثير يعولون على مبدأ الحتمية والجبرية، فيقولون أفعالنا قد كتبت علينا أن نفعلها منذ الأزل فكيف تريدون أن تحاسبوننا على أمور قد كتبت علينا. فهؤلاء يعولون على ما يفعلونه من أمور مشينة على الجبرية فهل لو قلنا أن ما يكتسبونه من مال وثناء هل نابع من مجهودهم وذكائهم أم نابع من الجبرية؟ أترك لكم التفكير والإجابة عليهم، لكن مبدأ الحتمية السببية قد يسري على الحيوانات حيث أن أفعالها كامنة فيها، فما يحرك تلك الحيوانات هو الغريزة.

مما سبق هل نستنتج أن الإنسان مخير في كل أفعاله ومشاعره وكل ما يحدث له؟ إذا أخذنا بهذا المفهوم فإن هناك أمورًا كثيرة لا دخل لنا فيها. فاختيارنا لوالدينا أو للون عينانا أو صفاتنا الجسمانية كل هذا خارج عن نطاق أفعالنا ولا دخل لنا فيه. فلا يوجد منا من اختار أبويه ولا يوجد منا من اختار أن يولد بعينين لونهما أسود أو أخضر أو أزرق.

كلتا النظريتين أخذتا بمبدأ الثنائية الفكرية: فإما مخير أو مسير، فالحقيقة الواضحة للعيان أن هناك أمورًا كثيرة تخرج من نطاق سيطرتنا عليها، فكما أوضحنا نحن لا نملك الاختيار لأبوينا أو لصفاتنا الجسمانية وذلك لأنها خارجة عن نطاق الفعل كما أننا لا نستطيع وقف البراكين والزلازل حيث أنها أيضًا خارج نطاق فعلنا، ولو أمكننا أن نكون مخيرين في كل أفعالنا وما يحدث لنا لامتلكنا القدرة على أمور كثيرة؛ لكن الحقيقة غير ذلك، فما يدخل في نطاق أفعالنا وما يخرج من إرادتنا من أفعال بعد تفكير هو الذي نحن مخيرون فيه، فالحرية موكلة إلى من يستطيع التفكير ويستطيع أخذ الفعل بناءً على هذا التفكير.

فأساس الحرية هو الفعل المبني على التفكير، فالحيوان لا يملك القدرة على التفكير المنظم ومن ثم فهو يفتقد الحرية؛ حيث جميع أفعال الحيوانات منبثقة من الغريزة التي جبل عليها فهي مدركات حسية؛ ويمكننا أن نعرج قليلًا عن الموضوع الأساسي فحينما تحرك الغريزة الإنسان ويعمل على إشباع تلك الغريزة دون تفكير فهنا الإنسان أقرب ما يكون إلى الحيوان، فالغرائز يمكن إشباعها بالتفكير وبما يتماشى مع الدين والعرف والعادات.

نخلص مما سبق بنتيجة مفاداها بأننا مخيرون بما يدخل داخل نطاق أفعالنا وما نحن مسؤولون عنه، فنحن نمتلك الخيار في أن نفعل الخير أو الشر ونمتلك الحرية طالما امتلكنا الإرادة في فعل ما يدخل داخل هذا النطاق، وكل ما يخرج من نطاق الفعل الإنساني المنبثق من الإرادة الحرة المبنية على التفكير فالإنسان في هذا النطاق مسيّر بما تمليه عليه تلك الأمور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد