(1)

كل يوم تتأكد المقولة الفاصلة والمُفاصِلة، التي أجرها الله على ألسنة الظالمين حين قالوا «إحنا شعب وإنتم شعب.. لينا رب ولكم رب»، ورغم أنهم تنبهوا – أو نُبهوا – إلى فداحتها وفاشيتها فتوقفوا عن إذاعتها بعد أيام، فإنها ظلت طوال السنوات الماضية تؤكد نفسها المرة تلو المرة، فكل أصحاب الضمير والنخوة والحكمة والبصيرة شعب وفي وادٍ، والسيسي وابن سلمان وابن زايد ومن والاهم ومن أيدهم ومن شايعهم شعب آخر وفي وادٍ آخر، والأمثلة تتراءى أسبوعيًّا تقريبًا.

(2)

بالأمس القريب هال المسلمين – أصحاب الضمير والنخوة منهم فقط – ما يحدث للمسلمين في بورما، بينما لم تهتز لابن سلمان ولا السيسي شعرة، ولا صدر منهم ما يدل على قدر من التضامن، ثم اضطُهد المسلمون في الهند، فما كان من أبناء زايد إلا كل ترحاب وتقدير لرئيس وزراء الهند المتعصب، ثم جاء الاضطهاد الثالث الكبير من خلال ما تفعله الصين من تنكيل بمسلمي الإيجور، فإذا بنظام السيسي لا يكتفي بالصمت، بل يسارع بتسليم بعض مسلمي الإيجور الذين يدرسون في مصر للسلطات الصينية، ويغلق مطاعمهم وأماكن تجمعهم في مصر.

(3)

وفي الوقت الذي يعلن الآلاف من أصحاب النخوة من المسلمين في أنحاء العالم تضامنهم مع مسلمي الإيجور رمزيًّا، برسم علم الإيجوز الأزرق ذي الهلال الأبيض على صورهم على «فيسبوك»، رسم نظام السيسي علم الصين الأحمر الشيوعي، وأين؟ على جامع محمد علي، بدعوى التضامن مع الصين – القمعية الفاشية مضطهدة المسلمين – فيما أصابها من تفشي فيروس كورونا.

(4)

أوعلى بيوت الله يرسم العلم الأحمر الشيوعي؟ أوعلى بيوت الله يا ظلمة يرسم علم الذين يضطهدون أهل دين الله؟ تذكرت وقتها كتاب الشيخ الغزالي «الإسلام في وجه الزحف الأحمر»، ولم يعلم – رحمه الله – أن الزحف الأحمر سينحسر في العلم كله، بينما يرسمه مجرمون منتسبون للإسلام على الجوامع والمآذن.

(5)

وسبحان الله، لا يخيب السيسي الظن فيه أبدًا، فهو «دائس» في كل مظلمة، «راشق» في كل خطيئة، لا تفتقده أبدًا حين يعصى الله، ولا تجده أبدًا حين يطاع الله، فلسطينيون وإسرائيليون هو مع إسرائيل ومع أمنها ومع صفقة القرن، الهند تضطهد المسلمين فهو مع الهند، الصين تعذب المسلمين فهو مع الصين، ابن سلمان ينشر الرجل بالمنشار فيؤيد ابن سلمان، ميليشيات الأسد تقتل مئات الآلاف فهو معها.

يريد تبديد الفكر الإسلامي لا تجديده، يهدد شيخ الأزهر، ويوحد خطبة الجمعة، متضامنًا مع كل ظالم ومسارعًا في تأييده ومناصرته، وهو في حرب على كل مظلوم، إما باليد أو باللسان أو بالخذلان، عدو لكل داعية ومصلح، نصير لكل طاغية وظالم وباطش.

(6)

إن الصور تنطق أحيانًا بما يغني عن مجلدات كاملة، إن صورة علم الصين تصبغ الجامع في الوقت الذي يرسم فيه مئات الآلاف من المسلمين علم الإيجور في تضامن رمزي، توضح إلى أي مدى اتسعت الهوة بين السيسي وشعبه وبين الشعب الآخر، بين الشعب الذي ربه هو رب الجوامع ورب المضطهدين والمستضعفين، وبين الذين ربهم الذي أمر بصبغ الجوامع بالأحمر الشيوعي، وطبعًا لا أحد في شعب السيسي ينكر ولو بكلمة، بدءًا من مشايخ السلطان والعمم المصطنعة وانتهاءً بالهتيفة التابعين، وهو ما يدل مرة أخرى على أن الصراع بين الشعبين وبين المنظومتين سيستمر إلى أن يأذن الله لأصحاب الحق أن تكون لهم الكرَّة، إن الله على كل شيء قدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد