رواية متوسطة الحجم، تقع في 126 صفحة، للفرنسي: جان كريستوف روفان، ترجمة: ريتا باريش.

مقطوعة إنسانية بحتة، إيقاعها بائس حزين، لا تنفصل عن الطبيعة الحقيقية لحياة كاتبها واهتماماته، إذ كرّسها لخدمة الإنسان أينما كان خلال أدوار حياته خارج الأراضي الفرنسية (تجد نبذة عن كريستوف في آخر الرواية).

الحرب، وما تخلفه من آثار وتعاسة ولعنة. وكيف نقضي عليها لا لنؤججها، ونسعى لإخمادها لا احتساب النقاط وعدّ الصرعى. عن العار الذي يكلل النياشين اللامعة التي تأمر بالمذابح الإنسانية، عن فكرهم في انتصار الإنسان على الإنسان والذي لا يتم إلا بقتله وإراقة دمه، فهي عار على الجميع لا يعذر فيه أحد، هذا هو الموضوع الرئيس.

جاك مورلاك شخصية الطوق الأحمر الرئيسة، يليه الكلب غليوم، ثم القاضي العسكري الشاب هوغ لانتييه، والذي يمثل الدولة والحامي لوجهها ووجاهتها ضد المسيئين لها من أمثال مورلاك.

وأمثال هذه الأعمال تجد نفسك مضطرًا للقفز على الشخصيات ورسمها، وتفصيلها من حيث الرئيس والثانوي، ومتابعة الحبكة وتسلسلها وقوتها – وإن كانت حرفيته بدت فيها – إلا أن الفكرة طاغية على كل ما عداها من العناصر الروائية الأخرى، وتجدك تتابع بانتباه شديد الحوار الإنساني والفلسفي الذي عبر من خلاله كريستوف عن فكرته ببراعة.

حتى إنه صاغ أفكاره في غير موضع عن الجيش والحرب بعبارات مقتبسة من أتون التجربة، تصلح أن تعلق بجوار أزرار البنادق والمدافع.

لقد أفاض كريستوف في هذه الرواية خبراته الإنسانية، ودق بكل قلبه أجراس الخطر، وبيّن مدى الحسرة التي تخلفها المدافع والبنادق، ولأنه شخصية مفعمة بالإنسانية كانت هذه الرواية وليدة قصة قصيرة للغاية حكاها له صديقه الصحفي، ففجّرت منابع إنسانيته حتى اكتملت روايته في بضعة أسابيع قليلة، ورغم كتابتها بهذه السرعة إلا أن الموت الذي كان يحذر منه فيها عن طريق الحرب، سبق إلى صديقه (بونوا غيزيمبه) بشكل طبيعي قبل أن يهديها له.

يقول كريستوف عن قصة صديقه والتي خرّجت لنا الطوق الأحمر: «كانت نادرة بسيطة وقصيرة جدًا، ولكنني شعرت على الفور أنها كانت واحدة من تلك الجواهر الصغيرة والنادرة التي تهبها الحياة، والتي بالاعتماد عليها يمكن بناء صرح روائي. كانت تلك قصة جدّه».

ثم انطلقت الرواية تقص عن الحرب العالمية الأولى، بتوقيت الجنون الإنساني العظيم، الذي خلّف ما خلّف من ضحايا ومصابين وقتلى لا لشيء يذكر، فكل دولة وقتها كانت تخوض المذبحة بحجة الدفاع عن شيء مقدس اسمه الدولة، بينما كانت تنتحر عبر أبنائها الراحلين إلى الموت بلا عودة.

تبدأ الرواية بذهاب لانتييه إلى سجن ناء، ليس به إلا سجين واحد: جاك مورلاك، وينخرط المحقق العسكري في هذه القضية الأخيرة في مشوار وظيفته العسكرية، لكن الكاتب أخّر الإفصاح كثيرًا جدًا عن سبب سجنه وموضوع جريمته الوطنية، وهذا من عيوب هذه الرواية، إذ إضفاء طابع التشويق – كما ظن كريستوف روفان – لم يخدم الفكرة بالشكل الجيد، فروايات الأفكار عمومًا صلبها الوضوح كي تصل الفكرة مباشرة إلى عقل القارئ.

فالروايات الفكرية أو الفلسفية لا تعتمد في نجاحها على تشويق القارئ وانتظاره معرفة السبب، بل معرفة السبب أولًا وما ترتب عليه، كي لا يفلت الزمام من القارئ فيمر سريعًا إلى خط النهاية دون معرفة تفاصيل الفكرة، ودون أن تُخَط في رأسه، فلو قُدّر لهذه الرواية أن يفصح عن سبب سجن مورلاك في البدايات الأولى لكان أفضل وأفضل.

جاك مورلاك المزارع الذي لا يعرف عن الحياة أكثر من الزراعة والماشية، تقتاده حكومته قسرًا إلى الحرب كغيره، ليحقق نجاحًا باهرًا فيها، ثم لينقلب على الحرب وعلى مسببيها لِما رأى من فظائعها، ثم تنتهي، ويكرّم في حفل رسمي بوصفه واحدًا من المحاربين القدامى ويُقَلد بوسام فيلق الشرف، لكن القرف والتقزز كانا يسيطران عليه، أهوال الحرب لم تنفك عن رأسه، الصرعى والقتلى والدماء لم تزل ماثلة أمام عينيه، فقرر أن يُرسل رسالة عملية عميقة المعنى للجميع بكل اعتراضاته على الحرب، فلا هو يستحق الوسام، ولا يجب أن يُجازى أحد على القتل الأعمى بتكريم، فنزع عنه وسام فيلق الشرف وعلّقه برقبة رفيقه الكلب غليوم الذي لم يفارقه لا في الحرب في الميدان، ولا في المشفى وقت الإصابة، ولا أمام السجن وقت حبسه، فاعتُبِرت إهانة للدولة، فسُجن.

لانتييه كان يقدره ويحترمه رغم أنه أجرم في حق الدولة بما فعل، فظل يلقنه حجته كي لا يَحْكم عليه ويبعده سنوات مديدة خلف القضبان، ألهمه أن يقول إنه كان مريضًا، سكران، أي شيء، لكن مورلاك ظل على حاله، متمسكًا بتلك الإهانة، وذاك الفعل المشين كصاحب قضية إنسانية لا تراجع فيها.

ويظل لانتييه يضغط عليه، هل فعل ذلك من أجل الكلب ووفاء له، لكنه يصرخ فيه، ويوضّح بجلاء في جملة هامة تعتبر من أعمدة البناء الفكري للرواية لأجل من فعلها، قائلًا: «من أجل من؟ من أجلك، من أجل أصحاب الرتب، من أجل رجال السياسة، والمستفيدين وكل الحمقى الذين يتبعونهم، من أجل الذين يرسلون الآخرين إلى الحرب، ومن يذهبون إليها بأنفسهم، فعلت ذلك من أجل الذين يؤمنون بهذا الهراء: البطولة! الشجاعة! الوطنية!».

لكن ذلك لم يشفع عند الضابط بما يمثله من وظيفة عليا، فيحتج مورلاك بأنه قدم الكثير من التضحيات لهذه الأمة مما يمنحه الحق في مصارحتها ببعض الحقائق التي لن تؤثر على وحدة ترابها.

وضع مورلاك المحقق العسكري في مأزق أخلاقي، إذ بدا له مورلاك ليس كأي سجين عادي، بل «بطلًا لدفاعه عن الأمة، وفي الوقت نفسه كان ينبذها».

وتمضي الرواية لتفصح أكثر عن الآثار الجانبية للحرب، ليس فقط في الجانب الاقتصادي، بل الأهم هنا على المجتمع، وعلى أفراده الذين خاضت الدولة الحرب باسمهم، وعن صورة الجيش الذي كان وقودها سواء انتصر فيها أو هزم، «فالناس هنا لا ينظرون إلى الجيش بعين الاستحسان، بالتأكيد يقولون إنهم فخورون بالضباط والجنود، إنما لا يغيب عن بالهم أن رجال الدرك يحضرون لأخذ أبنائهم من الحقول، وأن الضباط يطلقون النار على الفارين».

وبقدر ما تبيّن هذه الجملة موقف الناس من الجيش، فهي توضح مدى الهوس الذي أصاب الدولة لتعبئة الشعب للحرب ليموت هناك، أو يموت ببنادقها إذا فروا، فباسم من تقاتل الدولة وتخوض الحروب إذن!

ولم يتوقف عن إيضاح الفكرة عند هذا الحد، بل رجع لها في موضع متقدم ليصف على لسان امرأة عادية عجوز عمياء وهي تدافع عن مورلاك فيما فعل، أنه لم يفعل شيئًا، هو فقط «قال لهؤلاء الجزارين حقيقتهم». مفاجأة صادمة للانتييه أن تصف إحدى أفراد الشعب الجيش بالجزارين بينما هو يرتدي بزته العسكرية، ثم لا ينتهي قول المرأة حتى تعصف به مرة أخرى، فتصف الجيش والشرطة وتجار السلاح الذين يرسلون أمثال مورلاك إلى الموت «بالعصابة».

وهو بذلك يشير إلى متخذي القرار أن ينتبهوا، فانعكاس الحرب على الشعب ليست كما يظنون، إنما هم في ضمير الشعب ليسوا أكثر من عصابة جزارين وتجار موت.

ولم يكن ذلك ليمر بالقاضي الشاب مرور الكرام دون أثر يُحفر في نفسه، خاصة وأنه قبل أن يتولى منصب القاضي العسكري انخرط في الجيش «مدافعًا عن النظام ضد الهمجية، وأصبح عسكريًا من أجل خدمة الإنسان».

هذا ظنه القديم، وطريقة اعتداده بنفسه، ومبعث زهوه بنياشينه المتلألئة في بزته العسكرية، لكن مورلاك السجين والمحارب القديم الذي أهان الدولة غَيّر كل ذلك، ولم يعد لانتييه مقتنعًا بكل ما سبق، خاصة وأنه أيضًا (لانتييه) خاض الحرب، وبيّنت له «أن البشر هم وقود النظام، وأنه يستهلكهم ويطحنهم».

وبينت الرواية أن الجميع كانت تسوقهم أطماعهم الشخصية في هذه الحرب، الإنجليز والألمان واليونان وغيرهم، وما ثمّ مُثُل عليا نشبت المجزرة لأجلها، إنما هو الإنسان الذي يدفع بالإنسان لقتل الإنسان، إنها الحرب قصة الإنسانية المهدرة.

الكثير من الأفكار العميقة تنساب من قلم كريستوف عبر تسلسل الرواية، وإن كانت على الحقيقة ليست مجرد عمل أدبي، بل صرخة إنسان في وجه المدافع والبنادق، ومن خلفه الإنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد