كنوعٍ من أنواع التنويه أو الإخطار رُبما وجب القول إن هذا المقال ليس مقالًا سياسيًا لأن السياسة أبعد شيء عن رأس كاتبة المقال بجانب أن لا مجال للسياسة الآن، هو مقالٌ لا يتبع تصنيفًا ما إلا أنه نابع من قلب البلاد ويعكس من هوائها شيئًا يبدو أو يكاد يكون مهمًا.

بدايةً يبدو أن عالم القراءة والكتابة يجبر أصحابه دائمًا على الانغماس في كل أخباره، جديده، ماضيه، حاضره ومستقبله؛ حتى هؤلاء الذين يلتحقون بالرَكبِ متأخرًا جدًا يبدون مهتمين فجأة وكأنهم الخبراء!

إنه المقال رقم اثنين عن أكبر عالم للقراءة يدخل منه كل مبتدئ، عالم معرض الكتاب. المقال الأول كان بعنوان (معرض التفاهات: معرض الكتاب بين التجديد والتبديد!)، تتحدث سطوره عن الرداءة التي استُخدمت بها العربية قي كتب العام الفائت والتي اجتاحت المعرض، أما عن مقال العام الحالي فلن يكون هناك هجومٌ ما على الكُتاب أو حتى النقاد… إلخ، لكن الأمر سيكون مختلفًا حتمًا حيث سيُطرح سؤالٌ مهم جدًا، أين اختفى المعرض أساسًا؟!

في بداية كل عام يعرف كل مصريّ أن معرض الكتاب يبدأ، حتى أولئك الذين لا يقرؤون على الإطلاق وأولئك غير المولعين بالقراءة تمامًا، كلهم يعرف ذلك. ومن عادات المعرض أو دور النشر تحديدًا هي القيام بعرض الكتب المختلفة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعيّ، لأنها الطريقة الأكثر سهولةً في إيصال أو ترويج الكتب ولهذا تجد حائط اليوميات الخاص بك لا يخلو من الرواية الفلانية والرواية العلانية وديوان كذا وكذا، تختلف أنواع الكتب فعلًا، فمنها ذلك النوع الغامض ذو الطابع الجاسوسيّ وذلك النوع الرومانسيّ وذلك الخياليّ الحالم، حتى الدواوين تجد الفصحى منها والعاميّ وكثيرًا من الأنواع وألوفًا من الكُتاب المعروف منهم والجديد… إلخ.

لكن، وكالعادة لا تخلو بلادنا أبدًا من العبثية ليأتي ذلك المشهد الجديد الذي كان من عام عبارة عن كتابات لا قيمة لها ليتحول بعد عام إلى تلك الكتابات التي لا وجود لها من الأساس، لقد اختفت الكتب ولم يعد يجدها أصحابها نهائيًا، لكن أين؟ في اللامكان على ما يبدو.

هذا العام لا يوجد ما يملأ مواقع التواصل الاجتماعيّ فلا يوجد العشرات من الكُتاب الذين يتهافتون على عرض آلاف الكتب في المعرض، يرجع هذا إلى عددٍ من الاحتمالات وهي كالتالي: إما أن الكُتاب قُتلوا أو أن البلد أفلست مثلًا – وأشك في الثانية – وصار أغلب كُتابها أو كلهم شحاذين،ليس واضحًا إن كان في الإمكان الجزم بصحة إفلاس دور النشر أيضًا أو إغلاقها بفعل الملل!

على أي حال ودون الحاجة لكثيرٍ من المتاهات الكلامية التي لا أهمية لها هنا، يبدو جليًا هذا الذي أصاب المعرض، من الواضح جدًا أن سياسات النشر تغيرت أو أن من يراقب صار أقوى بل وأعلى من أي وقتٍ مضى هذا سهل ويمكن أن يعرفه أي طفل، لكن الأهم أنها ليست طبعًا السياسات إياها التي تمنع نشر كل ما هو سيئ أو مُشين، لكنها تحولت إلى نوعٍ من الرقابة التي تُحرّم بل وتُجرّم كل ما هو إبداع ورُبما كل ما يقرب الإبداع بشكلٍ أو بآخر خوفًا على نفسها من كل أحرف الكلمات وكل ما يمكن أن يُلقى أسفل بند التعبير، لأنها رقابة على رأسها بطحة تتحسسها بكثرة.

في النهاية وكما ينتهي كل شيء ففي أقرب فرصة كما يعلم ويوقن الجميع ستنتهي العصور الظلماء، تلك العصور التي تحمل كل إبداعٍ من مُبدع وكل فنٍ من فنان لأن هذه أشياء مخيفة بحق لمن يمتلكون بطحات على رؤوسهم، وستكلل البلاد بالشمع الأحمر بعد حين لأنه يليق بها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد