هو مشهد من مشاهد «فيلم» ما، يصور امرأةً ضحوكًا وشابة، كما يبدو على ملامح وجهها المزهـر، ولأن المشهد كان باللونين الأبيض والأسود، كما اعتدنا من مشاهدتنا للأفلام التي تعود للعقد السابع من القرن الماضي، حولها الأطفال يلعبون ويمرحون، يقدر الرائي أعمارهم بين السادسة والعاشرة، هم أطفال أيتام تعتني بهم منذ خلقوا، لكن في المشهد الثاني بدأت جودة الصورة بالاختلاف، وأصبحت أكثر دقةً وأعلى جودةً، فأصبحنا نبصر المزيد من التفاصيل، هي ذاتها المرأة التي كانت في المشهد الأول، لكن بدموعٍ على الخديْن، وشحوب في الوجه من أثر الحزن؛ فقد أرخى الحزن سدول أبحره عليها، ففي المشهد الذي تلاه أقدمت ثلة يصورها «الفيلم» بالعصابة المرتدية للأسود الحالك، نحيلي البنية الجسدية مجهزي السلاح، اقتحموا البيت – أو الملجأ الذي كان يومًا ما يضم بين جدرانه أطفال القرية- نهبوه وضربوا السيدة كبيرة العمر على مرأى الشباب – هم أنفسهم الفتية صغار السن في المشهد الأول-.

اليوم هو ذاته المشهد يتكرر كل يومٍ منذ سنوات طويلة، العصابة السوداء تدخل القرية كل يوم، لا تبقي ولا تذر فيها على مرأى أحفاد من كانت الجدة الكبيرة تحميهم!

تلك هي القدس يا سادة وهؤلاء هم الصهاينة، والعرب هم من كانت القدس تحميهم، اليوم يحملون دروعًا وأسلحةً ويتسابقون على حملها، لا ليقاتلوا العصابة، وإنما ليقاتلوا بعضهم بعضًا، ولأنهم انشغلوا عن قضيتهم الرئيسة استغل الصهاينة انشغالهم أفضل وأسهل استغلال، يأخذون ما أرادوا متى أرادوا من أرضهم ويتركونهم في غيابة الجب، لا يلتقط حقهم أحد.

نعم المشهد ذاته، كل يومٍ تصرخ القدس بصوتها الذي عهدناه، البيت الذي كان في الماضي يعبق برائحة الورد والزيتون صار يعبق برائحة دماء الشهداء.

أما مرابطو المسجد الأقصى انزاحوا بكامل إرادتهم عن الخط المعهود في الخيانة، إنهم من لم يتخلوا عن القضية، الذين يؤمنون أن لا مجيب لهم إلا الله؛ لأنهم يؤمنون أن يومًا ستنبت شجرة صبرهم وصمودهم، مرويةً بدماء هؤلاء الشهداء الذين انتفضوا بالحجارة، أدركوا أنه حتى الأرض تنتفض على الظلم فاستعانوا بحجارتها، فلا تشبهوا قلوب من تخلوا عنها بالحجارة، بل هي أشد قساوةً من أقسى حجرٍ.

هم المرابطون لأنهم لم يسمعوا لثرثرة الوعود الكاذبة، فالسنوات التي مرت تكاد تنطق: «عليكم بالانتفاض، فالباقون محترفون بالخطابات المؤثرة»، نعم، من يحب القدس يدافع عنها ولو بكلمة، لكن المشكلة تكمن في الاكتفاء بإلقاء هذه الكلمات والظن بأنها كافية لردع العدو، حينها سيصبح اسمها ثرثرات سياسية.

ختامًا: نحن لا نخاف على قائلي الحق وفاعليه في الأرض؛ لأن النضال صفة، والصفات تورث وتلقـن فلا انتهاء له، فمن يتمرد على الدبابات وقنابل الغاز الخانقة والعيارات النارية الحارقة لا خوف عليهم، الأمر ذاته للأطفال الذين تميزهم بنظراتهم البريئة يحملون الحجارة لمواجهة جندي صهيوني مجند، الخوف الحقيقي علينا نحن، فالخط الأحمر الذي رسمناه حول القضية العربية الأولى رفيع جدًّا، بدأنا بالقدس ولا نعرف أين ستنتهي الخطة الصهيونية، ففي مقابلة لـ«ترامب» سألته المذيعة بعد إعلان الجولان أرضًا إسرائيلية: «لماذا قمت الآن بإعلان ‎الجولان المحتل أرضًا تتبع لإسرائيل؟»، أجاب: «عندما قررت إعلان ‎القدس عاصمة لإسرائيل اتصل بي زعماء العالم وزعماء مسلمين وحذروني من إعلان الجولان أرضًا إسرائيلية، وعندما اتخذت القرار لم يحدث شيء والأمور جيدة»! إذن فالخوف على من لا يتعلم الدرس، وكم من آلاف الدروس ولم نأخذ منها العبرة، الخوف على أمةٍ تنتظر قدوم صلاح الدين الأيوبي، ولا تفكر بصنع صلاحٍ واحدٍ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

عن المعاناة الفلسطينية في أصدق صورها
الاحتلال الإسرائيلي
منذ أسبوعين
إبادة عمرانية تطال مئات الشقق السكنية
شارك 36
الاحتلال الإسرائيلي
منذ 3 أسابيع
s