لو قلنا للركاب في سفينة تشرف على الغرق حتمًا، وهي في عرض البحر: غيروا أماكنكم من جهة إلى أخرى، وقررنا استبدال قائد السفينة بآخر، وبدلنا وظائف الضباط، فعزلنا بعضهم واستبدلنا آخرين، وطلبنا من الجميع البقاء في السفينة كي لا نفرط فيها، هل هذه الإجراءات ستمنع السفينة من الغرق؟

قد يبدو السؤال غريبًا، إن لم نقل تافهًا، ولكن إن أكملت القراءة ستجد أن هذا ما يفعله الكثيرون في واقع الحياة!

كثير من المؤسسات والحكومات الفاشلة تكابر ولا تقبل الاعتراف بفشلها، ولا تصحح أخطاءها، ولا تناقش الأمور الجوهرية التي أدت الى الفشل، بل تجري تغييرات سطحية تحدث هرجًا ومرجًا، وتبدو للمراقب السطحي أن هذه المؤسسة تجري فعلاً إصلاحًا، لكن في الواقع كل ما تفعله لا قيمة حقيقية له، بل هو نوع من الخداع لكي تبقى الطبقة المستفيدة أطول فترة ممكنة، وتبدأ قيادة المؤسسة باستخدام وسائل عديدة لتوهم منتسبيها بأن تغيير بعض الأشخاص، أو تبديل أحدهم مكان الآخر سينقذ هذه المؤسسة أو الحكومة. وهو في الحقيقة ليس أكثر من تبديل المقاعد على تيتانيك.

كما يروي التاريخ في 14 أبريل (نيسان) 1912 أصيبت السفينة آر إم إس تيتانيك «RMS Titanic» بخرق كبير نتيجة اصطدامها بجبل جليدي أدى إلى غرقها بعد ساعتين وأربعين دقيقة من لحظة الاصطدام. وأحد أسباب هذا الحادث هو قائد السفينة الذي كان واثقًا من نفسه أكثر من اللازم، وكان واثقًا أن أعظم وأضخم سفينة بنيت في وقتها لا يمكن أن يؤثر فيها حتى جبل جليدي، ومع ذلك كان هذا القائد شجاعًا وتحمل نتيجة خطأه، وبقي في السفينة حتى غرق معها.

تخيل معي، لو أن هذا القائد جمع الركاب وقال لهم بعد أن أصيبت السفينة إصابتها القاتلة :تعالوا لنغير أماكنكم، ونغير بعض الوظائف على السفينة وسوف ننجو؟ كم أحمق سيصدقه؟ دع عنك العقلاء. حتى الحمقى لن يصدقوا كلامه.

تخيل معي مرة أخرى، لو أن ضباط السفينة اجتمعوا واتفقوا على قرار وأعلنوه للركاب وهو: أن هذا القائد فشل في قيادة السفينة وسنغيره، وسوف تنجو تيتانيك ببركة القائد الجديد، كم مغفلًا سيصدقهم؟

طبعًا عزيزي القارئ ستقول إن هذه الفروض سخيفة، ولا يمكن لعاقل ولا مجنون أن يصدقها، لكن صدق أو لا تصدق، هذا ما يحدث في واقع الحياة أحيانًا.

انظر حولك ودقق، وستجد أن بعض المؤسسات في عالمنا العربي، وحتى على مستوى الحكومات، يُصدّق أفرادها مثل هذا الكلام وينتصرون له، وإذا تهوّرت -لا سمح الله- وقلت لأحدهم: هذه الحلول لن تنقذ السفينة الغارقة. ستكون أنت في نظره متخاذلًا وأحمق.

وسيقول لك بتفلسف بارد: جد لنا الحل، يريد منك بكل بساطة أن تجد حلًّا ينقذهم وهم باقون في تيتانيك، فقط لأنهم لا يصدقون أنها تغرق.

ومثل هذا الشيء الغريب يحدث أيضًا في بعض التجمعات التي تسمي نفسها أحزابًا، أو جمعيات، أو مؤسسات، وهو أحد أنواع خداع النفس الكثيرة التي تصيب الإنسان عندما لا يصدق أنه على خطأ، أو أن مساره كان غير صحيح طيلة السنوات السابقة من عمره، فصدمة الحقيقة تجعله يأبى التصديق، حتى يشرب ماء البحر المالح ويختنق ويموت.

تجد مثل هذه المؤسسات الفاشلة تغير من موظفيها، وتبدل أماكنهم، وتغير قياداتها بحثًا عن النجاة حقيقة أو خداعًا، والمضحك في الأمر أنه دائمًا ما يكون القائد أو الموظف السابق هو المخطئ، وهو الذي يتحمل أوزار فشل المؤسسة كلها، والقائد الجديد هو البطل المنقذ، ويبقى بطلًا الى أن يتبدل؛ فيصبح هو الضال المضل، والجديد الذي يأتي بعده هو الصالح المصلح. وهذه قاعدة سلوكية غريبة مجمع عليها في المؤسسات الفاشلة.

هذه الحالة تسمى «متلازمة تيتانيك»؛ فقد رُوي كما ذكرنا أن تيتانيك لم تغرق إلا بعد مرور ساعتين وأربعين دقيقة على إصابتها، ومع معرفة الركاب بالحادث فإن الكثيرين منهم بقوا يمارسون فعالياتهم الطبيعية ولهوهم وهم غير مصدقين أن هذه السفينة الجبارة قد بدأت تغرق.

وعلاج هذا الداء صعب جدًّا؛ فأن تقنع مؤسسة ما بأنها بدأت بالغرق، ويجب أن تغير أمورها بصورة جذرية، شيء قد يقارب المستحيل؛ لذلك لا مناص من الانسحاب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يشمل الدمار الجميع، ومنهم أنت، إن كنت من أفرادها، وإن لم تكن من أفرادها فليس أمامك بعد تقديم النصيحة بصدق إلا أن تراقبها بأسف، وهي تغرق بأتباعها وأنت لا تستطيع فعل شيء.

وعادة ما تمارس القيادات في مثل هذه المؤسسات أبشع أنواع الخداع لتُبقي أكبر عدد ممكن ليغرق معها، بل تزين له الغرق بأسماء وأوصاف خداعة؛ كي يبقى ويثبت ولا يغادر السفينة الغارقة.

وأحيانًا يبلغ اللؤم حده عند بعض القيادات التي تهيئ قوارب نجاة لها فقط، ولا تستخدمها إلا في اللحظة الأخيرة؛ كي لا يبقى أحد من المساكين يفضح لؤمهم.

وكل جبابرة التاريخ وطغاته مارسوا مع شعوبهم هذا النوع من الخداع إلى أن وصلهم الدمار شخصياً وقتلوا شر قتلة، أو هربوا بطريقة أو أخرى، واختفوا حتى نسيهم الناس، ونسوا لؤمهم، كما فعل حاكم تونس الأسبق «زين العابدين بن علي» مثلًا.

وبعد -خراب البصرة- كما جاء في المثل المعروف، يستفيق المغفلون والمخدوعون ممن بقوا على قيد الحياة من حلمهم الخادع، ويبدأون بلعن كل لحظة من حياتهم عاشوها مع هؤلاء الطغاة المخادعين.

وقد لخص لنا الحق تبارك وتعالى هذا النوع من الخداع بآية عظيمة، ذم فيها كلًّا من القائد والمقود: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ» (الزخرف-54).

لأن الله تعالى لا يعذر المغفلين على غفلتهم، وكيلا يعتذر أحد بجهله أو ثقته العمياء بقيادته مهما كانت، فقد وهبك الله تعالى عقلاً وفهمًا وستحاسب عليه؛ لذا أذكّر دائمًا ولن أملَّ من التذكير أنَّ – الفهم هو الحل –

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد