إن وجدت العنوان غريبًا فهذا لأنه عنوان كتاب لرفاعة رافع الطهطاوي سطره في منتصف القرن التاسع عشر فلربما ليس العنوان ما يستحق تعجبك هنا.

فعندما وقع هذا الكتاب في يدي كنت أحاول التعرف على أفكار النخبة المصرية في عصر إسماعيل فوجدت في هذا الكتاب صورة واضحة جلية لعقلية النخبة المصرية في ذلك العصر وأهم أفكارها فإليك بعضها.

لم يكن هناك من توهم لتعارض بين الدين والمدنية أو التدين والتحضر، فلا تعصب للدين ولا تعصب ضده بل روح تسامح ديني تحفها العقلانية وإدراك لمفهوم الحرية العقائدية وحق ممارستها في إطار احترام المجتمع فيقول «التمدن في الأخلاق والعوائد والآداب؛ يعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسمى باسم دينها وجنسها لتتميز عن غيرها، فمن أراد أن يقطع عن ملة تدينها بدينها أو يعارضها في حفظ ملتها المخفورة الذمة شرعًا فهو في الحقيقة معترض على مولاه فيما قضاه لها وأولاه حيث قضت حكمته الإلهية لها بالاتصاف بهذا الدين فمن ذا الذي يجترئ أن يعانده (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) وحسبنا في هذا المعنى قول الكرار (أما وقَد اتَّسَع نطاق الإسلام فكل امرئ وما يختار) فبهذا كانت رخصة التمسك بالأديان المختلفة جارية عند كافة الملل ولو خالف دين المملكة المقيمة بها بشرط أن لا يعود منها على نظام المملكة أدنى خلل».

ويظهر الحرص على عدم الاتباع الأعمى والتبعية للغرب بل الأخذ منه أسباب الحضارة وأدواتها ومخترعاتها مما يلزم ويحسن مع الاعتزاز التام بالهوية العربية الإسلامية فيقول «فإن مستحسن العرف والعادة لا يوجبه عقل أو شرع بدليل اختلاف ذلك باختلاف البلاد كالتجمل والزينة، فإن لأهل المشرق زيًّا مألوفًا ولأهل المغرب زيًا معروفًا غيره. وأصله أن يكون للناس على اختلافهم سمة يتميزون بها فإن عدلَ واحدٌ عن عرف بلده وجنسه بدون مندوحة عد ذلك منه حمقًا. وربما توهم البعض أن التزيي بزي البلاد الأجنبية المشهورة بالتمدن هو المروءة الكاملة والسيرة الفاضلة فبادر بالامتياز بها عن الأكثرين بدون موجب مع أن قيافة بلده لا تنتقص عنها شيئًا، وإنما قصد بذلك الخروج من قيافة وطنه التي استرذلها الأجانب، وخفي عليهم تعدي طورهم وتجاوز قدرهم وقبح بين أهل الوطن ذكرهم. فالتمدن ليس في زينة الملابس بعرف مجهول متخيل استحسانه. فحاجة الوطن إلى المنفعة الحقيقية أشد من حاجته إلى تقليد العرف، الذي هو منفعة ظاهرية، ولما كانت الديار المصرية فائقة في المآثر جاهلية وإسلامًا، ولها أسبقية التمدن قديمًا وحديثًا، والآن تنافس الممالك الأخرى في الفنون والصنائع وسائر أنواع المنافع لها الآن أن تزاحم في ميادين صحيح الفخار».

ولا يوجد تعصب ضد الأجانب بل يوصى بكفالة حقوق المواطنة للأجانب المقيمين في مصر «في أن أعظم وسائل تقدم الوطن في المنافع العمومية رخصة المعاملة مع أهالي الممالك الأجنبية واعتبارهم في الوطن كالأهلية» لتيسير التبادل العلمي والثقافي والتجاري والإفادة من النابغين من كل الأمم.

أما التعليم فيفرد رفاعة صفحات متعددة لوصايا الاهتمام بسلوك النشء فيوصي بتعويد النشء على آداب المائدة والمجالس والرياضة والنظام الدقيق الجاد منذ نعومة أظفارهم، ويوصي معلمي الصبيان أن يؤدى إليهم مع تحفيظ القرآن والسنن وتعليم الحساب مختارات من جيد الشعر والأدب حرصًا على رقي ذوقهم.

ويدعو رفاعة لنشر الوعي السياسي وتدريس السياسة للنشء فيقول «فما المانع من أن يكون في كل دائرة بلدية معلم يقرأ للصبيان بعد تمام تعليم القرآن والعقائد ومبادئ العربية مبادئ الأمور السياسية والإدارية، ويوقفهم على نتائجها، وهو فهم أسرار المنافع العمومية التي تعود على الجمعية، وعلى سائر الرعية». ويبرز هدف هذه التوعية «وهل هذا التعليم إلا إيقاف أهل الوطن على معرِفة حقوقهم وواجباتهم بالنسبة لأملاكهم وأموالهم ومنافعهم، وما لهم وما عليهم؛ محافظة على حقوقهم، ودَفْعًا للتعدي عليها، فاللائق أن يكون بكل ناحية معلم لمبادئ الإدارة ومنافِع الجمعية العمومية في مقابلة ما تَدفعه الجمعية للحكومة، فإن هذا التعليم له تأثير معنوي في تهذيب الأخلاق، ومنه تفهم الأهالي أن مصالحهم الخصوصية الشخصية لا تتم ولا تنجز إلا بتحقيق المصلحة العمومية».

ويدعو كذلك لتعليم العلوم الدنيوية للأزهريين «ينبغي أن تُضِيف إلى ما يجب عليها مِن نشر السنّة الشريفة، ورفع أعلام الشريعة المنيفة؛ مَعْرِفَة سائر المعارف البَشَرية المدنية التي لها مَدْخَل في تقديم الوطنية، مِنْ كُلِّ ما يُحْمَد على تَعَلُّمِه وتعليمه عُلَمَاء الأمة المحمدية، فإنه بانضمامه إلى علوم الشريعة والأحكام يكون من الأعمار الباقية على الدوام، ويقتدي بهم في اتِّبَاعه الخاص والعَام، حتى إذا دَخَلوا في أمور الدولة يحسِن كل منهم في إبداء المحاسن المدنية قولَه».

أما الاقتصاد فيؤكد رفاعة على قيمة العمل واحترامه في الشرع والحياة ويصف الولاة والقضاة وأصحاب رؤوس الأموال وكل من لا يسهم في الإنتاج أنهم عالة في معيشتهم على الزراع والصناع،

ويدعو للإصلاح الزراعي بمجابهة ظاهرة جور البحر على الدلتا وإقامة السدود حتى يمكن زراعة الأراضي أكثر من مرة بدلًا من زراعتها بالغمر عند فيضان النيل مرة واحدة في السنة، وأن تسعى الدولة في استصلاح الأرض الزراعية وتوسيع دائرة الملكية بتمليك الأرض الموات لمن أحياها واستصلحها كما أمرت السنة النبوية، وتخصيص أراضي مديريات بعينها لزراعة الأنواع المناسبة من المحاصيل والتي تحقق بها عائدًا أكبر من غيرها واستثناء الأصناف المراد نشرها من الضرائب لفترة تشجيعًا للمزارعين.

ويرفض أن تكون العلاقة بين العمال وأصحاب العمل قائمة على مبدأ العرض والطلب «فمواكسة المالك له في تقليل أجرته محض إجحاف به ووصف استملاك الأراضي والصرف على الزراعة من رأس مال المالك لا يقتضي كونه يستوعب جل المحصولات ويجحف بالأجير نظرًا إلى ازدحام أهل الفلاحة وتنقيصهم للأجر وسومهم على بعضهم بالمزايدات التنقيصية وهذا لا يثمر محبة الأجير للمالك (من يزرع الشوك لا يحصد به عنبًا) فإن هذا فيه إيذاء بعضهم لبعض وهو ممنوع شرعًا». ثم يعرض للأحاديث النبوية المتعلقة ويشرحها وينتهي إلى أن المساومة في الأجور حرام بل تكون الأجرة هي الثابتة المتعارف عليها حسب أهل كل صنعة بلا زيادة أو نقصان.

ويقسم رفاعة الأخوة إلى ثلاثة أنواع؛ الأول هو أخوة الإنسانية التي يتساوى فيها كل البشر ويسميها أخوة العبودية، بينما حقوق العبودية الخاصة هي أخوة المسلم لأخيه المسلم، والأخوة الوطنية التي يجب بها كل ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن من تواد وتراحم وتعاون، ولم يكن للوطنية المعنى الشوفوني العنصري كما كان عند الأوروبيين بل قائم على أصول أخلاقية والرغبة في العيش المشترك في ظل المساواة فيقول «فيجب أدبًا لمن يجمعهم وطن واحد التعاون على تحسين الوطن، وتكميل نظامه فيما يخص شرف الوطن وإعظامه وغناءه وثروته؛ لأن الغنى إنما يتحصل من انتظام المعاملات وتحصيل المنافع العمومية، وهي تكون بين أهل الوطن على السوية لانتفاعهم جميعًا بمزية النخوة الوطنية فمتى ارتفع من بين الجميع التظالم والتخاذل وكذب بعضهم على بعض والاحتقار؛ تثبت لهم المكارم والمآثر».

ويدرك تمامًا (رغم حرصه على إظهار طاعة الخديوي وشدة احترامه) معنى المواطنة «وقد تأسست الممالك لحفظ حقوق الرعايا بالتسوية في الأحكام والحرية، وصيانة النفس والمال والعِرض على موجب أحكام شرعية، وأصول مضبوطة مرعية فالملك يتقلد الحكومة لسياسة رعاياه على موجب القوانين».

ويدرك رفاعة مبدأ الفصل بين السلطات وأهميته «فالقوة الحاكمة العمومية وما يتفرع عليها تسمى أيضًا بالحكومة وبالملكية هي أمر مركزي تنبعث منه ثلاثة أشعة قوية تسمى: أركان الحكومة وقواها، فالقوة الأولى قوة تقنين القوانين وتنظيمها، وترجيح ما يجري عليه العمل من أحكام الشريعة أو السياسة الشرعية، الثانية قوة القضاء وفَصْل الحكم، الثالثة قوة التنفيذ للأحكام بعد حكم القضاة بها».

هكذا كانت عقليات النخبة المصرية في منتصف القرن التاسع عشر، فأخبرني بالله عليك من أسمى هؤلاء الذين يطلون علينا من شاشات التلفزيون نخبة مصر؟

الكتاب متاح إلكترونيًّا مجانًا من إنتاج مؤسسة هنداوي الثقافية

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد