اختلفت فلسفة الحكم في سلطنة المماليك عن فلسفة الحكم في الدول السابقة والمعاصرة لها فلم يكن النظام الوراثي هو أسلوب الحكم في الدولة إلا في حالات قليلة فقد كان نظام الحكم يعتمد على أساس الاختيار الطبيعي.

ففي عصر سلاطين المماليك، كان السلطان الجالس على العرش يحكم البلاد بمنطق القوة والغلبة التي تستند إلى واجهة دينية وقد أشار المؤرخ ابن خلدون في مقدمته إلى ذلك بقوله :

«ولما كانت الرياسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية ذلك النصاب هو أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب وتتم الرياسة لأهلها وكل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان والاتباع» ويفسر ابن خلدون قيام الدولة بثلاثة عوامل أساسية هي الزعامة والعصبية والعقيدة.

وكان أمراء المماليك العسكريون يعتقدون أن كرسي الحكم حق لهم جميعًا يفوز به أقواهم وأقدرهم على الإيقاع بالآخرين، وتسابقوا من أجل الفوز بالكرسي الذي كان الطريق إليه مفروشا بالدم.

واتسمت الحياة السياسية في عصر المماليك بالمؤامرات والصراعات، وبالتالي فإن صراع السلطة كان غالبًا ما ينتهي بمقتل أحد الطرفين المتصارعين – ومن يوالونه – خوفًا من تآمرهم للانتقام من المنتصر أو محاولة إسقاطه والعودة للحكم.

لنبدأ القصة من البداية

في خضم الحملة الصليبية السابعة على مصر ظهرت قوة المماليك الذين نجحوا في تحمل العبء الأكبر في مواجهة وهزيمة هذه الحملة وأسر قائدها نفسه لويس التاسع ملك فرنسا، وشهدت هذه الفترة عدة تطورات أدت الى قيام سلطنة المماليك فقد قرر المماليك قتل آخر سلاطين بني أيوب بمصر «توران شاه» وتولى بيبرس المهمة ونجح في قتله وتولت شجرة الدر كرسي العرش ثم اضطرت للتنازل عن العرش بعد اعتراض العلماء والخليفة العباسي على تولي امرأة الحكم وهكذا أصبح الأمير عز الدين أيبك أول سلاطين دولة المماليك، ولما كانت هذه الدولة عسكرية الطابع فقد قتل في الفترة ما بين 1250 / 1260 ثلاثة من سلاطين هذه الدولة وعدة من أكابر الأمراء الذين تنازعوا على كرسي العرش حتى وصل إلى الحكم المؤسس الحقيقي لسلطنة المماليك «الظاهر بيبرس» الذي قام بتطبيق هذا المبدأ بشكل رسمي «الحكم لمن غلب».

ففي عام 1254 قتل الأمير فارس الدين أقطاي زعيم المماليك البحرية على يد الأمير سيف الدين قطز أحد مماليك السلطان المعز أيبك، وألقى برأس أقطاي إلى مماليكه المتجمهرين حول قلعة الجبل وكان عددهم يقارب الـ 700 مملوك وعلى رأسهم بيبرس وقلاوون، الذين خافوا على أنفسهم من مصير أستاذهم وهربوا من مصر ليلاً إلى الشام، هكذا كان العنف والدم يفرشان الطريق إلى السلطة منذ بداية عصر المماليك، تمر الأيام ويحدث النزاع بين شجرة الدر وزوجها المعز أيبك ينتهي بمقتل الاثنين ويجلس على كرسي العرش الصبي نور الدين علي بن أيبك ليعزله الأمير سيف الدين قطز بعد فترة من الزمن للظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة في هذه الفترة حيث أن خيل المغول تقترب من مصر وكان قطز يتحين الفرصة منذ مقتل شجرة الدر والمعز أيبك ليستولي على العرش وعمل على ذلك من خلال إبعاد كبار الأمراء من المعزية حتى ينفرد له الحكم دون منافس.

ويقول المؤرخ أبو المحاسن عن عزل قطز لابن أستاذه أيبك نصًّا: «الملك المظفر قطز هذا هو أول مملوك خلع ابن أستاذه من الملك وتسلطن عوضه، ولم يفعل ذلك قبله أحد من الملوك، وبهذه الواقعة فسدت أحوال مصر»

حيث إن خطوة قطز هذه كانت من أهم الأسباب لتطور مفهوم السلطة في عصر المماليك ليصل إلى المبدأ الذي كان قطز من ضحاياه.

ما بين بيبرس وقطز

كان بيبرس وقطز من أوائل المماليك وشارك الاثنان في مواجهة الحملة الصليبية السابعة، وارتفع نجم بيبرس عاليًا بعد نجاحه في الدفاع عن مدينة المنصورة أمام قوات لويس التاسع، كانت النقطة الفارقة في حياة الرجلين هي مقتل أقطاي، فأقطاي هو صديق وأستاذ بيبرس وفي نفس الوقت هو منافس وعدو أيبك أستاذ قطز، وبقتل قطز لأقطاي فقد ظلت شعلة الثأر في نفس بيبرس تجاه قطز.

تحالف قطز وبيبرس لكي يواجهوا المغول حيث أصبح هناك حاجة ماسة لكل مقاتل في مصر والشام للمواجهة الحاسمة القادمة، دخل بيبرس مع رفاقه من المماليك البحرية ومعه جند الناصر يوسف والشهرزورية إلى مصر حيث تم الإعداد جيدًا لمواجهة المغول، وتحدث المواجهة في عين جالوت وينتصر المسلمون على المغول بقيادة مشتركة لقطز وبيبرس ويطارد بيبرس المغول حتى أطراف بلاد الشام، وعد السلطان المظفر قطز بيبرس بنيابة حلب لكنه لم يفِ بوعده له فلم يكن في مقدور قطز أن يضع صديقًا خطيرًا مثل بيبرس بعيدًا عن عينيه، وقرر أن يحتفظ ببيبرس بجواره لكن هذا كان بديلًا أكثر خطورة على قطز نفسه، وبدأت الوحشة تدب بين الرجلين وأسرع قطز في ترتيب أمور الشام لكي يعود إلى معقله القوي في القاهرة حيث يتجرد بيبرس هناك من وسائل القوة، في نفس الوقت يضمر بيبرس ومعه أمراء المماليك البحرية القدامى الشر تجاه قطز ويتذكرون مصير أستاذهم أقطاي، ولأن له من اسمه نصيب فكان بيبرس سريعًا وحاسمًا كعادته.

العام 1260 – ما بين الصالحية والقصير – طريق عودة الجيش المملوكي الظافر في عين جالوت، يقتل السلطان المظفر قطز ويجلس مكانه على كرسي العرش الأمير ركن الدين بيبرس ولقب بالقاهر ثم غير لقبه إلى الظاهر.

سبب قتل قطز

اختلف المؤرخون حول سبب مقتل قطز

  • فقد اتفق كل من المقريزي واليونيني وأبو المحاسن وبيبرس الداوداري على أن بيبرس ضمر لقطز لعدم موافقته على منحه حلب.
  • بينما اتفق كل من ابن عبد الظاهر وشافع بن علي و ابن العميد على أن سبب قتل بيبرس لقطز هو تغيره ناحية بيبرس وتخوف كل منهما من الآخر.
  • بينما يذكر ابن خلدون أن بيبرس والمماليك البحرية كانوا يتحينون الفرصة من أجل أخذ ثأر أستاذهم أقطاي الذي قتله قطز.

طريقة قتل قطز

ضرب الجيش المملوكي خيامه للراحة، لمح السلطان المظفر أرنبًا بريًّا وخرج لصيده وخرج وراءه بعض أمراء المماليك البحرية وهم «بيبرس البندقداري – قلاوون الألفي – بهادر المعزي – بلبان الرشيدي – انص الأصبهاني – بيدغان الركني – بكتون الجوكنداري – بندوغز التركي»، جرت محادثة قصيرة ما بين السلطان والأمراء طلب فيها بيبرس من السلطان بعض الأمور فوافق عليها السلطان فذهب بيبرس يقبل يديه وأمسك بها بشدة ثم كان ما كان ضربات بالسيف ورمي بالسهام، تذكر قطز في لحظاته الأخيرة وجه أقطاي ورأسه وهو يلقيها إلى مماليكه أسفل قلعة الجبل، يتذكر صرخة غضب عاتية من بيبرس ونظراته له بالويل والانتقام. يسمع آخر كلمات له في الحياة من صديقه وعدوه بيبرس «انتهى الأمر، استرح، نم، انتهى الأمر يا صديقي، هنا تنتهي الرحلة وينقضي الدين القديم وتذهب العداوات»، هكذا كانت نهاية بطل عين جالوت.

التطبيق الرسمي للمبدأ

عاد بيبرس والأمراء إلى خيمة السلطان بعد أن انتهوا من دفن قطز وأيديهم ملطخة بالدماء أعلنوا أن السلطان قد قتل، سأل أتابك السلطان المقتول من فيكم قتله فرد بيبرس قائلاً أنا قتلته فكان الرد: إذًا اجلس مكانه يا خوند على كرسي السلطنة، وأخذت له البيعة من الجيش والأمراء الحاضرين، وأرسل إلى القلعة في القاهرة وبويع له ونشر الخبر بقتل السلطان متأثرًا بجراحه، واستيقظت القاهرة التي كانت قد تزينت لاستقبال سلطانها المنتصر على المنادي بالترحم على السلطان المظفر قطز والدعاء للسلطان الجديد القاهر بيبرس.

كان قطز بطلًا شجاعًا مقدامًا حازمًا حسن التدبير يرجع إلى دين وإسلام وخير وقد خلد اسمه بحروف من ذهب في التاريخ بنصره على المغول في عين جالوت، وقد قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في السلطان المظفر قطز رحمه الله:

غلب التتار على البلاد فجاءهم … من مصر تركي يجود بنفسه
بالشام أهلكهم وبدد شملهم … ولكل شيء آفة من جنسه

لكن قطز كان أمير من أمراء المماليك شأنه شأنهم يشارك في مؤامرتهم ومخامراتهم وصراعاتهم على الحكم والسلطة والنفوذ.

كانت النتائج المترتبة على قتل قطز بهذه الطريقة وصعود قاتله بيبرس إلى كرسي العرش مكانه هو تكريس لانتقال السلطة من خلال الدم وستظل هذه هي الطريق للوصول إلى العرش خلال 270 عامًا عمر سلطنة المماليك، وستظل طريقتهم ملهمة للكثيرين ممن سيأتون بعدهم.

فقد انتهى عصر المماليك كاسم لكن ظلت فلسفتهم في الحكم كما هي لكن الفارق أن المماليك كانوا أجانب جيء بهم ليكونوا جنودًا يدافعون عن البلاد ضد الغزاة ووصلوا بحدود الدولة إلى الأناضول والعراق والنوبة أما من انتهج فلسفتهم في الحكم فهم من أبناء البلاد لكنهم ضيعوا البلاد والعباد، الفارق أيضًا بينهم وبين من انتهج فلسفتهم في الحكم أنهم حققوا انتصارات عظيمة يحق الفخر بها ووصلوا أن جعلوا دولتهم أقوى دولة عسكرية في عصرهم في حين أن من انتهج فلسفتهم في الحكم ما دسوا يدًا في خضراء إلا يبست ولا دخلوا معركة إلا انهزموا.

هكذا كانت صورة الحكم في مرحلة مهمة في تاريخنا وما تزال، فهي غنيمة دسمة وغنية لمن يستطيع الاستيلاء عليها بالقوة والغلبة، وتصبح الشرعية التي تكتسب بالصراع الدموي أو الانقلاب هي الأساس والركيزة للحكم.

إن السلطة في مصر على مر العصور والأزمنة تطير بجناحي القوة المسلحة والشرعية الدينية وتعبر تعبيرًا دقيقًا عما يعرف باسم «الاختيار الطبيعي».

هذه قصة الكرسي في أحد عصور التاريخ، ولكن ألم تتكرر قصة الكرسي في عصور أخرى، وأماكن أخرى؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ابن خلدون – المقدمة
أبو المحاسن – النجوم الزاهرة في ملوك القاهرة
قاسم عبده قاسم – عصر سلاطين المماليك
وليد فكري – دم المماليك
عرض التعليقات
تحميل المزيد