إن المتصفح للشأن القانوني سيجد أن المشرع المغربي خصص الفصل 110 للتعريف بالجريمة وأنه عرفها على كونها: كل عمل أو امتناع عن عمل مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه، إلا أن الجريمة لا تقف عند فاعلها الأصلي فقط، بل قد تتعداه لأشخاص آخرين، سواء كانوا شركاء أو مساهمين.

وفي إطار تحقيق وتطبيق مقتضيات القانون فإن الشرطة القضائية تعتمد على عدة آليات للتوصل للحقائق والوقائع، ومن أبرز هاته الآليات نجد ما يسمى بالمساطر المرجعية أو كما يطلق عليها أيضًا المساطر الاستنادية.
هاته الأخيرة شهدت عدة مضاربات في الآراء بين مؤيد ومعارض، فالباحث في هذا الصدد لن يجد بشأنها أي أساس قانوني بالترسانة القانونية المغربية او الاجتهادات، بل إنه لا وجود لهاته التسمية أصلًا.

فالمساطر المرجعية بدعة أنجبتها الممارسة العملية للضابطة القضائية وليس لها اي أساس قانوني؛ مما يطرح عدة تساؤلات حول مدى شرعية هته المساطر؟ بل مدى تاثيرها على ضمانات المحاكمة العادلة في إطار اعتمادها؟

إن للمساطر المرجعية مكانة بالغة وذات أهمية قصوى، سواء بالواقع العملي للضابطة القضائية والعمل القضائي في تتبع المجرمين وإنزال العقاب على من خولت له نفسه مخالفة القانون وارتكاب فعل إجرامي ماس بسلامة وأمن الأفراد واستقرار المجتمع، وذلك سواء كان فاعلًا أصليًا أو مساهمًا أو حتى مشاركًا.

ولقد تضاربت الآراء بين مؤيد ومعارض كل حسب رأيه وحججه، فنجد أن هنالك من يؤكد على أهميتها وعدم إمكانية الاستغناء عنها إذ إنه لا يعقل، ولا يمكن تتبع كافة المشاركين والمساهمين والأطراف في الفعل الإجرامي دون الاحتكام إليها ما سيصعب إمكانية تحقيق الهدف الأسمى، وهو تحقيق العدالة الجنائية وضمان الآمن والاستقرار.

فلا يتصور التخلي عن متابعة كافة الأطراف فقط لغياب وجود نص قانوني يؤطر المساطر المرجعية أو غيابها في القانوني على اعتبار عدم تتبع الأطراف ما هو إلا ضرب صارخ لضمان المحاكمة العادلة؛ مما يستوجب القيام بكافة التحريات وعدم الاكتفاء والاقتصار بالموقوف الأول، فتلك التصريحات المدلى بها من طرف المتهم إبان مرحلة البحت التمهيدي هي التي من شأنها إرشاد الضابطة القضائية إلى أشخاص آخرين لهم دور في ارتكابها.
بينما في المقابل نجد أن من عارض إعتماد المساطر المرجعية فقد كان مرده أن ما لم يرد في القانون فإنه ليس قانونيًا، وبالتالي فإنه منافي للحقوق والحريات، بل إنها منافية لمقتضيات المسطرة الجنائية التي تستحضر كقاعدة عامة أساسية قرينة البراءة كما أن دستور 2011 بدوره أكد على أهمية قدسية حرية الأشخاص وفق ما يخوله القانون.

كما أن خطورة المساطر المرجعية يتجلى من خلال اعتمادها بالمساطر العادية التي تغيب فيها حالة التلبس، حيث إنها تقوم بناءً على تصريحات من أحد المشتبهين ما يجعل من ورد اسمه محل اشتباه وبحث، وأيضًا حراسة نظرية لحين الحسم في مسألة اتهامه، وقد تكون في الأساس مجرد تصريحات كيدية قائمة على دوافع شخصية مردها الانتقام والابتزاز أحيانًا كثيرة وبعيدة كل البعد عن الواقعة القانونية.

إذ إنه ورغم تبوؤ قرينة البراءة مكانة جد هامة بمقتضيات الدستور، إلا أنه أن اعتماد المساطر المرجعية من شأنه أن يكون سببًا في زج الأبرياء في السجون بناءً على شهادات أو حتى اعترافات انتقامية فقط، فالمساطر المرجعية أصبحت تجارة مربحة لذوي السوابق الإجرامية وغيرهم من خلال تقديم وشايات كاذبة وابتزازات تمس باﻷمن القضائي، هذا إن لم نقل إنها تضرب عرض الحائط الدستور والقانون الجنائي على السواء.

بين رأي وآخر تبقى المساطر المرجعية وسيلة جد هامة للوصول للحقائق ومرتكبيها إلا أنه يستوجب اعتمادها والاحتكام إليها بما يتلاءم سواء مع أحكام الدستور وضمان حقوق الأفراد وحرياتهم، وكذلك مقتضيات المسطرة الجنائية من جهة أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد