دخلت القضية الفلسطينية منعطفًا جديدًا بعد اندلاع ما يعرف بـ«الربيع العربي» بدءًا بالثورة التونسية في 17/12/2010م، ومرورًا بالثورة المصرية 25/01/2011م، وما تلاها من ثورات في بلدان عربية أخرى مثل ليبيا واليمن وسوريا، وانعكست تلك الثورات على كافة ملفات النضال الفلسطيني كاملةً.

وإن هذه الحالة المائجة المحيطة بالقضية الفلسطينية، لتفرض علينا عددًا من الأسئلة الملحّة، علّها تطرق جدار الخزان كما كان يدعو دائمًا المثقف الفلسطيني «غسان كنفاني»، ومن أهم تلك الأسئلة، بماذا عادت ثورات «الربيع العربي» على القضية الفلسطينية؟ وما الدروس التي يمكن أن تستفيدها التجربة النضالية الفلسطينية من التجارب العربية في التغيير؟ وما المطلوب فلسطينيًا لتلافي العائدات السلبية من تلك الثورات؟

لا تبدو الأسئلةُ سهلةً، لأننا قد نختلف ابتداءً على ما يدور في الوطن العربي إذا ما كان ربيعًا أو غير ذلك، ومن ناحية ثانية فإن المخاض العسر في المنطقة ما زال في أوجه، ولأن تلك الثورات ليست سواء في الظروف والواقع المحيط بها.

ضريبة مضافة

على أي حالٍ، فإنني أستطيع أن أُقدر من وجهة نظري بأن القضية الفلسطينية دفعت ثمنًا باهظًا جراء اندلاع «الربيع العربي»، ومن مظاهر ذلك أن العامل الذاتي الفلسطيني بات أضعف في مواجه الاحتلال والهيمنة الأمريكية، ولم يعد قادرًا على حسم القضايا الداخلية والوطنية مثل إنهاء الانقسام.

كما أن الزخم الجماهيري والدعم الشعبي العربي تراجع تجاه القضية الفلسطينية، نظرًا لانشغال الرأي العام بلملمة جراحاته، كما أن القضية الفلسطينية باتت أبعد ما يكون في الأجندة القومية العربية، وكذا الحال بالنسبة للأجندة الإعلامية العربية، وليس أدلّ على ذلك من مقارنة الحشد والمناصرة للقضية الفلسطينية بين انتفاضة الأقصى عام 2000م، وانتفاضة القدس المندلعة حاليًا في الأراضي الفلسطينية.

الارتدادات الثورية

صحيح أن الثورات العربية أثّرت إبان انطلاقتها على القضية الفلسطينية إيجابًا؛ إلا أن تأثيرها تحول إلى السلب بعد انحرافها عن مسارها بفعل الارتدادات الثورية التي أدت إلى إقصاء القيادات المناصرة للقضية الفلسطينية، فدفع الفلسطينيون ضريبةً مضافةً فوق الضرائب التقليدية الأخرى، ولا أمل في عودة الزخم العربي تجاه فلسطين؛ إلا بقدرة تلك الشعوب على استعادة زمام المبادرة مرةً أخرى.

وحول العلاقة بين الثورة الفلسطينية والثورات العربية، فأعتقد أن الاثنتين تبادلتا التأثير فيما بينهما، فالأولى استطاعت أن تلهم وتحفِّز الثوار العرب وتمدهم ببعض الأدوات والشعارات، والزخم الثوري، واستطاعت الثانية أن تُلهم الشباب الفلسطيني الذين خرجوا بتظاهرات ضد الانقسام الفلسطيني، غير أن ذلك التأثير لم يستمر طويلًا نظرًا للاختلاف بين التجربتين.

عثرات ودروس

ويمكننا فلسطينيًا أن نعتبر من عثرات «الربيع العربي»، وأن نوفّر كثيرًا من الوقت، وكذلك الدماء، فقط إذا ما تحوّلت تلك العثرات إلى دروس مهمّة بالنسبة لنا، ومن أهم تلك الدروس النضالية العملية:

  • ضرورة التعايش فلسطينيًّا ومراعاة التعددية، ونبذ الخطاب التخويني والاستعدائي، وتجنب الفكر الاقصائي، واعتماد استراتيجية الربح للجميع win–win strategy.
  • ضرورة إعطاء الشباب الدور الحقيقي في صناعة التغيير والبناء المجتمعي.
  • إرساء المفاهيم والقيم الإنسانية والأخلاقية في مواجهة القيم والمفاهيم الإقصائية والدموية، والعمل على تعزيز الخطاب الذي يبرز مظلومية الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
  • الرهان على موت الشعوب رهان خاسر، وكل المخططات والمؤامرات التي تحاك ضد الشعوب لا تملك أن تقتل روح الإنسان، والشعوب أكبر من كل القوالب والتنظيمات وعصية على الأدلجة، والنبض العفوي المباشر للشعوب يكون أقوى وأكثر تأثيرًا من التنظيمات التاريخية التي أصابتها أمراض التضخم والجمود والبيروقراطية.
  • ينبغي امتلاك أدوات صناعة الحدث، قبل الإقدام على التغيير، كما أن سرعة التغيرات في الأحداث، تتطلب من قادة القضية الفلسطينية المتابعة الدقيقة، والجهوزية الدائمة للتعامل مع السيناريوهات المختلفة.
  • سحب كل الذرائع من الخصوم السياسيين، ومثال ذلك التجربة التونسية.

مستقبل الحراك

إن التقييم الشمولي والنهائي لمسار الحراك العربي ونتائجه على القضية الفلسطينية في الوقت الراهن، يبدو سابقًا لأوانه، حيث إن الوقت مهم في إعطاء المؤشرات النهائية الحقيقية، لكن من الواضح في حال استمرار المسار الثوري للربيع العربي في ذات الاتجاه الحالي له، ستكون النتائج مخيبة للآمال على القضية الفلسطينية مستقبلًا.

وإلى أن نرسو السفينة العربية على يابسة، علينا كفلسطينيين عدم التدخل في الشؤون العربية سواء إيجابًا أو سلبًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، وألا تكون الفصائل الفلسطينية جزءًا من الأجندات الإقليمية، أو ما يعرف سياسيًا بـ«لعبة المحاور»، والانتظار حتى ترسو السفينة على يابسة، فليس من الحكمة سياسيًا ولا واقعيًا حرق كل السفن، ووضع كل البيض في سلة واحدة.

تبقى الإشارة إلى المقال السابق هو خلاصة بحث أجريته، كان بعنوان: «انعكاسات ثورات الربيع العربي على القضية الفلسطينية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد