سألوني عنك يا صغيرة، عن إحساسي بك وعن تجربتنا الثرية معًا، أثارني السؤال وجلست ألملم الكلمات التي بدورها تصف رحلتنا معًا، وفي الحقيقة هي أعجز أداة يمكنها أن تجسد ما بداخلي تجاهك، وتجاه رحلتي معك من يوم أن عرفت أن الله أنبتك داخلي.

الأمومة بالنسبة لي هو أمر من الله تعالى ورزق أراد به أن يعيد هيكلة عمرك وأيامك، أمر جاء يرتب فوضويات الحياة، ويضيف عليها فوضى من نوع جديد ممتع وثري.

الأمومة في حقيقتها ميلاد جديد لفطرتنا، تحييها صحبتنا لهذا الكائن البريء حديث العهد بربه. الأمومة هي أن تري كل ما ألفته – حتى فقدت متعته – من نعم لأول مرة من جديد، بدءًا بنعمة النوم والراحة التي طالما غمرت فيها ولم تشكر الله عليها، مرورًا بنعمة الحياة والوجود من العدم، وتطور الخلق والنمو والقدرة على الرؤية والسمع وكل حاسه تطور مع وليدك يتجلى فيها لك نعمة الخالق وإبداعه، الأمومة هي أن يكون في رحمك وبيتك أعظم معجزة في الكون، معجزة الخلق.

حياتنا أصبحت في ركود شديد، حتى يأتي ما يزلزلها من مرض أو بلاء شديد، لأن في الأغلب نمونا نحن الكبار شبه ثابت، أو تطوره بسيط جدًا ربما لا نشعر به، ليس فيه من الطفرات التي تنبهنا له بشكل دائم، فنعتاد النعم حينها وننساها، لكن كونك أمًا، فأنت في معايشة مستمرة وواعية لتطورات جوهرية سريعة ومبهرة حقيقية، فأنت في حال دائم من التجديد، فمع الأمومة لا للملل. الأمومة فى عيني هي تكليف وتشريف لنا بنات حواء.

منذ أن علمت أمر حملي وشعرت أن الله تعالى قذف في قلبي طاقة من الحب وشعور متجدد بالمسؤولية الممزوج بالخوف تجاه هذا الكائن الرقيق الذي لا حول له ولا قوه الا بالله، الأمانة التي تنمو وتعد لأحملها. هذا الشعور بث في قلبي من جديد شغف التعلم عن كل شئ وأي شيء يفيد علاقتنا.

ومنذ ذلك الحين وإلى الآن ونحن نتعلم سويًا والشغف يزيد لا يتناقص، أشياء نسيتها من زمن وربما لم أقف عندها أو لم تشغل حيزًا من اهتمامي، معلومات تبدو بسيطة، ولكني أجهلها، نظرة أعمق للنفس وللاحتياجات وللمشاعر، علم جديد ومتنوع وشغف جميل لن ينقطع بإذن الله.

فالأمومة علمتني الكثير والكثير في هذه الرحلة البسيطة، وعاهدت نفسي أن أتدرج معها يومًا بعد يوم، وألا أندم أبدًا على جهلي أو فوات علم كان علي تحصيله استعدادًا لها، بل سنتعلم سويًا وسنخطئ لنتعلم أفضل ونتمرس أفضل.

وأمومتي هي شرارة الشغف في قلبي، تحيي وتنبه قلبي كل حين وتنير عقلي وتوسع آفاقي؛ كي نواكب رحلتنا سويًا، أنا ومعجزة ربي التي ائتمنني عليها.

فخلال هذا العام وما سبقه من أشهر الحمل تغيرت كثيرًا، اختبر قلبي معاني كثيرة وعميقة ومختلفة عنه وعن طبيعتي، اختبرت معاني التعلق وخوف الفقد والإيثار، لأول مرة أنعم بنعيم غيري، وأبكي لحزن غيري، أول مرة أشعر وكأن قلبي يذوب في نفس آخر صغير، أرى فيه براءتي وأرفض الظلم فيه، تسمو معاني الأمل في الفطرة كلما رأيته، يحيي في قلبي العناد أكثر، يحيي العزيمة، كلما حملت أيقظني بسباقه في الحياة.

يدهشني عجزي فيه مع براعة تطوره ونموه الذي لا حول لي فيه ولا قوة، أصطدم كثيرًا بنفسي وبتوهمي عنه وعن فاعليتي فيه، أختبر الإيثار والاستغناء، الاستغناء عن مظاهر الراحة التي اعتدت عليها ولم أجد ما يدفعني للاستغناء عن صورها أو ما يحمل جسدي وقلبي للشعور بالمسؤولية تجاهه. أختبر معاني الصبر ومسؤولية القرار ومتعة العمل المتعدي لغيرك. أختبر نفسي ولأول مرة في طور جديد وغريب عني.

أصارع مرض نفسي في تعجل الأشياء، فمهما تعجلت شيئًا أرى فيها معنى المقدار متجسد ومعني الميقات وقيمة اليوم والساعة،
أرى معنى الأمل والتقلب والتغير لأختبر المرونة في قلبي وعقلي وحركتي، أشياء لو فعلها غيرها لشعرت بالتحدي معه والعناد، ولكن فطرتها تضبطني وتردعني، فليس عندها ما تعاند من أجله، هي فقط حرة، حرة كما خلقها الله، لا تستجيب ولن تستجيب إلا لما ترتضيه نفسها.

أختبر دوري معها في ألا اقودها، ولكن أن أعينها علي فطرتها، وأن أتقبل هذا بصدر رحب، وأن أصحح من تشوه فطرتي، أنا وفي أوهام تغلغلت داخلي قبلها.

مر عام لا أدري كيف مر، ولكنه كان مليئًا بالاقدار والتقلبات والمعاني، التي لولاها ما تعلمتها، فهي أداة الله في قلبي وعمري وأيامي، هي حياة لقلبي وبصيرة لروحي.

أشعر بالرضا عنها بكل ذرة في قلبي، وأتمنى أن تكون هي أيضًا راضية عني وعن سعيي فيها، وأسال الله أن يصلح ما أفسدته فيها ما أعلمه أو لا أعلمه، أشعر برغبة جامحة للاعتذار لها عن لحظات البكاء والألم التي لم أكن فيها بجانبها أو عجزت طاقتي عن تحملها فيها، وفي قلبي لها وعود وعهود، أعاهدها ألا أظلمها ما استطعت، وألا أتهاون في برها ما حييت وأدعو الله ألا يجعل بلائي فيها وتكون حجة لي لا علي،.أداة الله في قلبي تهذبه وترتقي به لا فتنة لا وشقاء.

اللهم أدم عليها نعمة الصفاء والفطرة وأرزاقها القبول في السماء والأرض وارزقني السعة في النفس والعقل ما يعينني على استيعاب تطورها ونموها علي النحو الذي ترتضيه مني، وأرزاقها حظ السكن في بيت أبويها وأجعل أحضانا لها مأوى وأمان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك