يشهد اليوم الشارع الجزائري حراكًا شعبيًا قياسيًا ومسيرات لمختلف فئات المجتمع المدني منذ شهر فبراير المنصرم، الذين طالبوا بعدول الرئيس بوتفليقة عن الترشح ورحيل نظامه، وبالفعل حقق الشارع جزءًا كبيرًا من هذه المطالب ويمكن القول أنّ الحراك الشعبي قد نجح في فرض كلمته وسلطته، فتدخل رئيس أركان الجيش الجزائري القايد صالح وقام بإفشال المخططات التي كانت تحاك في كواليس الرئاسة للالتفاف على مطالب الشعب، فجاء عقب ذلك قرار استقالة الرئيس بوتفليقة من منصبه كمشهد ختامي متوقع ثم أعقب ذلك سقوط رؤوس كبيرة في النظام وعلى رأسهم رئيس المخابرات البشير طرطاق ومنع شخصيات سياسية ورجال أعمال من مغادرة البلد بسبب قضايا الفساد.

هل يمكن أن يشكل الحراك الشعبي خطرًا الآن؟

بعد خبر استقالة رئيس الجمهورية خرج الجزائريون في مظاهرات حاشدة في الجمعة الأخيرة مطالبين برحيل بقية رموز النظام والحكومة الحالية وأيضًا رافضين تدخل مؤسسة الجيش في الشؤون السياسية للبلد إلا في حدود ما ينص عليه الدستور، ولكن مطالب الحراك الشعبي الآن باتت غير موحدة وبدأت تخرج عن سياقها وذلك بسبب الحملات الإعلامية المضللة والشائعات والأخبار المغلوطة التي تهدف إلى خلق الفتنة والتفرقة وثني الحراك عن مطلبه الأساسي، لذا فإن أحسن حل الآن هو التريث والتمهل في هذه المرحلة الحساسة.

هل تستغل الأطراف الأجنبية وضع الجزائر لتسوية الأزمة الليبية أم العكس؟

بدأت قوات المشير حفتر في ليبيا بالتحرك نحو طرابلس وذلك بالتزامن مع الحراك الجزائري وهذه ليست صدفة قط، بل هي عملية للمخابرات الفرنسية الإماراتية تحقق الكثير من المصالح المشتركة للطرفين.

أولًا: في هذا الظرف المواتي تستطيع قوات حفتر الآن الاستيلاء على العاصمة طرابلس وإسقاط حكومة الوفاق الوطني بقيادة سراج الذي يحظى بدعم الحكومة الجزائرية التي اعتبرته الحكومة الرسمية الوحيدة في ليبيا منذ الاتفاق السياسي الليبي، فقد وقفت الجزائر عقبة في وجه كل المخططات العسكرية حفتر وحلفائه ورفضها لأي تدخل أجنبي واعتبرت الجزائر أن الأطراف الليبية لا بد لها من الجلوس إلى طاولة الحوار لحل الأزمة.

ثانيا: بعد أن فشلت المخابرات الفرنسية في إبقاء النظام البوتفليقي الصديق على رأس الحكم فهي ستستغل الأزمة الليبية وتحول الأنظار إلى قوات حفتر الذي صرح مؤخرًا بأنه سينقل الحرب إلى الجزائر بسبب تدخلها في شؤون ليبيا، وتوهم الرأي العام الجزائري بنظرية المؤامرة عن طريق افتعال حرب حدودية وإشعال جبهة صراع في الحدود الليبية الجزائرية وهذا ما يحدث بالفعل فقد أكدت مصادر إعلامية أن فرنسا قد نقلت قاعدة عسكرية لها في ليبيا قرب حدود الجزائر، وإن حدث ذلك فسينجح مخطط فرنسا في إلهاء الشعب الجزائري عن المؤامرة التي تحدث في الداخل ولتعود الدولة العميقة الموالية لفرنسا إلى الواجهة مجددًا.

“الحراك الجزائري” غطاء صفقة القرن

خلال الأيام القليلة القادمة المنطقة العربية مقبلة على حدث كبير وهام ألا وهو تسوية القضية الفلسطينية تحت اسم صفقة القرن المرتقب الإعلان عنها في شهر ما يوافق الذكرى لنكبة فلسطين، وتحت التحفظ الشديد والقلق العارم للأنظمة العربية المتواطئة في هذه الصفقة فإن تسليط الضوء على أحداث الجزائر سيكون أحسن غطاء وبالتأكيد ستسعى إسرائيل لإحداث الفتنة والمزيد من التقسيمات في المنطقة والجزائر ليست مستبعدة من ذلك وخاصة أنّها تدعم الحركة الانفصالية للأمازيغ المعروفة ب “الماك” التي تطالب بالحكم الذاتي والانفصال عن الدولة.

إنّ الحلول السياسية في الجزائر أصبحت صعبة التنفيذ بسبب الحراك المستمر الذي أصبح صعب الإرضاء، ولكن أين دور السياسيين والنخبة في معالجة الأزمة ومحاولة الخروج بحل يرضي الشارع، فاستمرار حالة الفراغ السياسي والمؤسساتي يجب أن تحل وبسرعة قبل أي انفلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد