يا صاحبي، إني حزين
طلع الصباحُ، فما ابتسمتُ، ولم يُنِر وجهي الصباح

وخرجت من جوف المدينة

 أطلب الرزقَ المتاح
وغمستُ في ماء القناعةِ خبزَ أيَّامي الكـَفاف
ورجعتُ بعد الظهرِ في جَيْبي قروشْ
فشربتُ شايًا في الطريق
ورتقتُ نعلي
ولعبتُ بالنرد الموزَّعِ بين كفي والصديق
قل ساعةً أو ساعتين
قل عشرةً أو عشرتين

وضحكتُ من أسطورةٍ حمقاءَ ردَّدَها الصديق
ودموع شحَّاذٍ صفيق.

صلاح عبد الصبور

يتغير إحساسنا بالحزن في كل مراحل حياتنا، وتتغير شدته، وتتغير كذلك نظرتنا إليه، أحزاننا قد تشبه أعمارنا، وتشبه ظروف حياتنا، أحزاننا تشبهنا؛ لذا قد يرى أحدنا في حزن صاحبه مبالغة، ويرى آخر في أحزاننا محض تدلل وترف، قد يرى آخرون في الحزن فلسفة أعمق من الحزن نفسه، وقد لا يكون في الحزن أي فلسفة على الإطلاق، هو حزن هكذا بكل بساطة.

ومعالجة الحزن كذلك تتغير من شخص لآخر، قد يولد من الحزن قصيدة جميلة، مثل التي وضعتها في مفتتح المقال، للشاعر الكبير الحزين صلاح عبد الصبور، هذه القصيدة التي أصبحت أيقونة حزن شعرية، على بساطة مفرداتها التي تقترب من العامية، ودقة تعبيرها، وكذلك فلسفتها العميقة.

وقد يخرج من رحم الحزن لوحة أو لحن، أو مرض. في هذا الزمن الحزين ماذا قد ينتجه الحزن وذواتنا انكمشت على نفسها، لم نعد نخرج من جوف المدينة كي نطلب الرزق المتاح، بل تتقاذفنا أمواج الرأسمالية حتى في ساعات نومنا، لم تعد تكفي القروش لنشرب كوب الشاي في الطريق كما فعل صلاح عبد الصبور، أو نلعب نردًا مع صديق، نحن نلعب النرد مع الحياة ذاتها في عالم مجنون تعس، ينهش إنسانيتنا يوميًّا بلا رحمة.

في غرفتي دَلفَ المساء
والحزنُ يولـَدُ في المساء لأنّهُ حزنٌ ضرير
حزنٌ طويلٌ كالطريقِ من الجحيمِ إلى الجحيم
حزنٌ صموتْ
والصمتُ لا يعني الرضاءَ بأنّ أمنيةٌ تموت
وبأنَّ أيامًا تفوت
وبأن مِرْفـَقـَنا وَهَنْ
وبأنَّ ريحًا من عَفـَنْ
مسّ الحياة، فأصبحتْ وجميع ما فيها مقيت..

لقد استهلكنا الحزن لدرجة أننا لم نعد نفكر فيه، منذ سنوات كنت أفعل مثلما فعل عبد الصبور، أكتب حزني مثله في قصائد، أكتبها وأتأملها وأجترها، أنظر إليها مرات ومرات وأقول لنفسي أنيق هذا الحزن حقًّا، موزون ومقفى ومدلل أيضًا، لكنني لم أعد أفعل ذلك، وربما حذفت تلك القصائد تمامًا، فكلما قرأتها أحسست بأن الأمر لم يكن يستحق كل هذا العناء، كما أنني لم أعد أشعر بجمال الحزن، بل إنني لم أعد ألمس جمال الشعر أيضًا للأسف.

ربما يمارس البعض حزنهم بوصفه عادة مثل باقي العادات، دون فلسفة أو تبرير، دون تفكير أو موقف من الحياة، بل صورة صامتة مكررة ومنسوخة، مثل كل العادات المنسوخة التي اكتسبناها من الفضاء الأزرق، لم يعد حزنًا أصيلًا وأصليًّا، بل حزنًا مزيفًا، ولكنه حزن شديد.

حزنٌ تمدَّدَ في المدينة
كاللص في جوفِ السكينة
كالأفعوانِ بلا فحيح
الحزن قد قهر القلاع جميعَها وسبَى الكنوز
وأقامَ حكامًا طغاة
الحزنُ قد سَمَلَ العيون
الحزنُ قد عَقـَدَ الجباة
ليقيمَ حكامًا طغاة

لقد قضى الحزن حقًّا على قلوبنا فلم تعد تشعر، أصبحت عاجزة عن الحزن فعلًا، أنت محاط بالظلم والعجز والخنوع، مقيد حتى بحاجاتك الأساسية في الحياة، تركض ولا تلتقط الأنفاس، وتخاف، في كل لحظة تمر، تخاف أن تدهسك الأقدام إن توقفت لحظة، تخاف على نفسك وولدك وبيتك وأهلك، تفكر في من ذهب ولم يعد، أخفته أيادي القهر والظلم الممتدة الخانقة الملتفة حول أعناقنا جميعًا، مثل جاثوم لا يتزحزح عن صدرك وأنت فاقد النطق تمامًا، عاجز عن الحركة. هل يمكن أن تفكر في الحزن إذن وأنت لا تملك من حواسك شيئًا؟

 يا تَعْسَها من كِلْمةٍ قد قالها يومًا صديق
مغرًى بتزويقِ الكلام
كنَّا نسيرْ
كفِّي لكفـَّيْه عِناق
والحزنُ يفترشُ الطريق
قال الصديق:
يا صاحبي
ما نحنُ إلا نَفْضَةٌ رعناءُ من ريحٍ سموم
أو منيةٌ حمقاء
والشيطانُ خالفنا ليَجْرَحَ قدرَةَ اللهِ العظيم
أو أن اسمينا ببرجِ النحسِ كانا، يا صديق
وجَفـَلْتُ فابتسمَ الصديق
ومشى به خَدَرٌ رفيق
ورأيتُ عينيه تألقتا كمصباح قديم
ومضى يقول:
«سنعيش رغم الحزن، نقهرُهُ، ونصنع في الصباح
أفراحَنا البيضاءَ، أفراحَ الذين لهم صباح».

هل يعود الصباح لهذا العالم الحزين؟ هل ينصرف الجاثوم بلا رجعة؟ ماذا نفعل؟ «دقة زار»؟! لقد دلف السوء إلى أرواحنا المجوفة، وتلبسنا الجاثوم، أصبحنا نسير به مثل قيد في أطرافنا وحِمل فوق ظهورنا؛ لم تعد كلمات الذكر تصرفه؛ لأنها تخرج فارغة من أفواه مكممة، ولا تخرج من قلب حي نابض بالإيمان، وإنما قلوب كفرت بنور الصباح، وأَلِفت ظلام الليل، إما عجزًا وقهرًا، وإما طبيعة كامنة فيها. فأي صباح نرتجي في هذا العالم الحزين؟

ورنا إليَّ
ولم تكن بُشراهُ مما قدْ يُصدِّقـُهُ الحزينْ
يا صاحبي!
زَوِّقْ حديثـَكَ، كل شيءٍ قد خَلا من كلِّ ذَوْق
أما أنا، فلقد عرفْتُ نهايةَ الحَدَرَ العميق
الحزنُ يفترشُ الطريقْ..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد