النظرة الأولى للآية الكريمة: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)  قد تخطر في بالك أنَّ السائل هنا هو ذلك الشخص الذي يكون في الشارع يطلب القليل من النقود أو يدور على البيوت لطلب لقمة لسد جوعه، أو يجلس على جوانب الطريق بشكله وملابسه التي توحي بالظلم والفقر الشديد،حيث لا قدرة له على سدّ حاجاته الأساسية، وهذه في الحقيقة صورة رسمتها السنوات في أذهاننا،أو بالأحرى رسمها مدرس التربية الإسلامية في السنوات الدنيا، أو الأمهات وهنَّ يدرِّسن أولادهنَّ سورة الضحى، لا يهم بأي طريقة رسمت هذه الفكرة، فالنتيجة واحدة، لقد أصبحنا لا نمر عن كلمة (سائل) إلا ونستحضر هذه الصورة، وهذا المعنى، وهذا المفهوم، وأصبح الأمر لا تنهر الفقير إذا طلب منك مالًا، بل كنّ لَطيفًا معهم، وقد نقشت هذه المعاني في أذهاننا يعرِفها الصغير قبل الكبير.

رغم أنَّ القرآن الكريم حث في آيات كثيرة على أشكال التكافل الاجتماعي سواء كان ذلك عن طريق الصدقة أو عن طريق الزكاة أو العمل على تجفيف منابع الفقر والقضاء على كل أشكاله والحث على العمل والإنتاج، حتى جعل العمل عبادة، لكن هناك معنى آخر خفيًّا في هذا المفهوم، هو مفهوم السائل الذي يبحث عن أجوبة لأسئلة صدعت رأسه، وهو السائل الباحث عن الحقيقة، يبحث عن إجابات تزيح الشك الجاثم على صدره، يبحث عن الهدى بشغف، يريد أنْ يُبصِر الحقيقة من كافة جوانبها، باحث أرهقته الأجوبة غير المقنعة.

والسائل هنا هو الشخص الذي يَطرُق الأبواب بطريقة مختلفة، مختلفة عن كل المرات السابقة، يطلب احتياجاته بِطريقة مختلفة، وبشكل وهيئة مختلفة، وفي مكان أكثر أهمية وأعلى قدرًا، لا يَطلُب ما يحتاجه من الشارع والأماكن المزدحمة كما يفعل السائل الآخر، بل يتوجه إلى الأماكن الأكثر هدوءًا والأعلى قدرًا، إنه يَطرُق العقول ويُحَرِك الأفكار ويطلب الاطلاع على معالم جديدة في ذهنه، معالم لطالما أحيت طموحه، وصدعت رأسه، وحركت مياه الفكر الراكد في عقله، فهي معالم أكثر وضوحًا وأشد إشراقا، وأسمى مكانًا.

إنه يريد أن يُحطم الأسوار والحواجز التي لطالما منعته من الانطلاق والتفكير، وعملت على حجز تلك الرؤية وإيجاز تلك النظرة، وحجز الأفق ووضعها في زاوية ضيقة ومظلمة.

والقرآن الكريم يحث على السؤال – فقد وضع التفكير عبادة – ومنعنا من  الزجر والصراخ،أو حتى تقطيب الوجه والجبين،حتى لو كان السائل عدوًا أو خصمًا مكروهًا، لأننا بالسؤال سنحطم تلك الأسوار، ونطل على المعالم التي سترتها تلك الأسوار والحواجز، ونبني الحضارة ونشيد البناء. فالسؤال في هذه القضايا خصوصًا، سلاح للخروج من مأزق كبير، ومعول به تحطم جدران الجمود الفكري، ومنظار به تبصر الحقيقة التي أخفاها الجهل.

وفي الصورة الأولى والثانية هناك تكامل واضح، رغم تناقض المعنى واختلافه، فهما ضرورتان لبناء الحضارة، فقد تمر بكلمة (سائل) تحمل معناها التقليدي، وهو الشخص الذي يَطلب الأشياء لسد حاجته الأساسية والضرورية للعيش البسيط، لكن  ذلك لا يعني التعارض بين هذا المعنى و(السائل) بمفهومها الآخر – الباحث عن الحقيقة -، وهو سائل العلم والهدى، سائل يريد سد حاجات عقله الأساسية والضرورية للإيمان، وتنقية تفكيره من الشوائب والأخطاء العقائدية، فالثانية قراءة بأفق أعمق وبمفهوم أدق، وصورة  أشد وضوحًا وأيسر فهمًا وأكثر تكرارًا في مآزق العصر ومتطلباتها.

 وقد يكون السائل أنت، قد تكون أنت بنفسك، قد تَطرُق الباب على نفسك وعقلك، وأنت من تسأل نفسك، إياك أن تنهر نفسك، أو تقطب جبينك، إياك أن تخاف من السؤال، أو تخاف من الإجابة، فانطلق بهذا المفهوم للبحث عن حقيقة عالم السؤال والجواب معًا، فهذا حق من الله تعالى لك، لا يمكن لأي أحد أن يسلبك إياه، فقد أعطاك عقلًا وميَّزك عن باقي المخلوقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اسراقات, اية, فكر, في

المصادر

البوصلة القرآنية - د. أحمد العمري
القرآن لفجر آخر -د احمد العمري
في ظلال القرآن . الشهيد سيد قطب
تأملات في كتاب الله . د.أبو الحسن الندوي .
عرض التعليقات
تحميل المزيد