مقدمة

لوحظ أن هناك الكثير من الخلط بين مفاهيم مختلفة تمامًا مثل الذّكاء، المعرفة، التعلّم، الشهادات العلمية، الإبداع. فالبعض يربط بشكل آلي «ميكانيكي» بين الشهادة العلمية والذكاء، بين الذكاء والمعرفة، بين التخصص والذكاء، هذا الخلط يترتّب عليه نتائج واستنتاجات غير دقيقة، وتبعات قد تكون خطيرة بالنسبة للمجتمعات من حيث مدى احترام الأشخاص والتخصصات، ومن حيث طرق البحث عن القيمة وعن المعرفة، ومن حيث اختيار أساليب النجاح، لذلك فإن من المفيد أن نطرح أسئلة من قبيل: من الأهم الذكاء أمِ التحصيل، الاجتهاد أمِ الذكاء، العلم والمعرفة أمِ الفائدة؟ من أكثر فائدة للمجتمع: عامل نظافة مخلص أم عالم فيزياء يعبد حيوانًا؟ ما هي أفضل المهن، وما هي التخصصات العلمية، وهل ذلك صحيح دائمًا؟ بطبيعة الحال، كل جزئية من هذه الجزئيات تحتاج إلى تفصيل على حدة، وقد تم تناولها فعلًا من خلال نظريات متعددة في مجال المعرفة والفلسفة والعلوم التربوية، غير ذلك نحن نريد فقط أن نتأمل العلاقة بين هذه الأفكار التي يخلط الكثير بينها بدون تدقيق، نقاط كثيرة سنحاول أن نفتح النقاش حولها في هذا المقال.

ما هو الذّكاء؟

الذكاء بمعناه الواسع (Intelligence) مفهوم معقّد، ويحتاج إلى مجلّدات للحديث عنه. ولا يمكن تعريف هذا المفهوم في أسطر قليلة، فالتعريف يختلف من سياق لآخر، ومن بيئة لأخرى. فنحن نتحدث عن الذكاء في المدرسة وفي المؤسسات وفي العمل وفي السياسة.

اللافت للانتباه اليوم أن الكثير من الناس يحصر الذكاء في عدد محدود من القدرات العقلية، مثل القدرة على فهم بعض المعادلات الرياضية والأشكال الهندسية، ما يسمح للبعض بالحصول على درجات أو شهادات علمية في مجال معين كالطّب، الهندسة، الصحافة، أو الفيزياء، وهنا تكمن «المشكلة»، فالذكاء لا يقتصر على ذلك فحسب، وإنما «يمكن» تعريف مصطلح الذكاء، بأنه «قدرة كيان معيّن على حل المشاكل وتحقيق الأهداف من خلال التفاعل مع بيئته والاستخدام الأمثل للظروف المحيطة به، بما في ذلك الموارد المتنوعة المتاحة لهذا الكيان».

صحيح أن مصطلح الذّكاء يتضمن العديد من القدرات العقلية، أشهرها التعلم والحساب والتحليل والاستنباط والحفظ والتقليد؛ ولكن هناك قدرات أخرى كثيرة مثل التخيّل، والإحساس بالمشاعر، وربط الأفكار وصياغة الكلام، وتوقّع الأحداث، واختيار الألفاظ، وتحديد الأولويات، وصناعة الرؤية، كل هذه القدرات ليست بالضرورة مرتبطة بالعلوم الطبيعية أو بالمجالات الفنية والهندسية.

لذلك لا نستطيع أن نجزم بأن المهندس الفرنسي غوستاف إيفل كان بالضرورة أكثر ذكاءً أو «أذكى» من الروائية أجاثا كريستي، أو أن المخترع توماس أديسون كان بالضرورة «أذكى» من الفيلسوف فولتير كذلك، لا يمكن الجزم بأن مطوّر برمجيات لدى شركة مايكروسوفت هو بالضرورة أذكى من بائع خضروات في محل بسيط في أفريقيا، فالذكاء هو خاصية أو صفة متعددة الأشكال، وقد تتوافر في جميع المهن بدون استثناء أيًّا كانت.

المعرفة والعلم

المعرفة (Knowledge) هي الإدراك أو الفهم الحاصل لدى الفرد من خلال عدة طرق، هناك العديد من النظريات التي تناولت موضوع المعرفة، وعلاقتها بالفلسفة، والعلم، والدين، وهكذا، المهم هو أن المعرفة هي الوعي أو فهم لأشياء مثل الحقائق والمعلومات والمهارات، المعرفة، أو المعارف الإنسانية كثيرة ومتنوعة فمنها ما يأتي بالخبرة والتجربة، ومنها ما يأتي بالإلهام والتأمل، ومنها ما يأتي من خلال التعلّم، ومنها ما يأتي من خلال الدراسة والملاحظة،

أمّا العلم، فيُقصد به عمومًا مبدأ المعرفة بالشيء، وهو عكس الجهل به. ولكن مفهوم العلم المقصود هنا (Science) هو مجموعة من الحقائق والمفاهيم المترابطة أو المعارف الصادقة والمتناسقة، والتي يتم الحصول عليها من خلال منهج علمي/طريقة علمية لها أصول وأساليب قابلة للتكرار. والطريقة العلمية (Scientific method) هي مجموعة من المبادئ والأساليب المممنهجة المستخدمة في تحرّي الظواهر وتحليلها وتفسيرها والتحكم فيها وتعديلها حسب الإمكانية والحاجة، والطريقة العلمية هي عمليًّا تطبيق لما سبق من أجل اكتساب معرفة جديدة أو دمج معارف قديمة أو حتى تصحيحها.

العلم إذًا هو طريقة من طرق خلق وتعديل واكتساب المعرفة، وهو أحد ضروب المعرفة ومن طرق الحصول عليها.

أين دور الذكاء في الموضوع؟

من الواضح أن الذكاء يلعب دورًا مهمًّا في تحصيل المعرفة، سواء أكان ذلك من خلال الطريقة العلمية، أو من خلال الطرق الأخرى بما في ذلك الفلسفة والممارسة والتدبّر . فالقدرة على التحليل، والحفظ، والتخطيط، وحل المشاكل، ورسم الاستنتاجات، والتأثر، والتمييز، والمقارنة، والتفكير المجرّد وجمع وتنسيق الأفكار، تساعد كثيرًا في خلق وتطوير ونقل المعرفة. ولكن ذلك لا يكفي وحده لتحصيل العلم والمعرفة؛ فهناك أمور أخرى مثل شخصية المرء وما يرتبط بها من مفاهيم مختلفة مثل الجدية، والانضباط، والشجاعة، والتواضع . والحكمة، هذه الأمور تلعب دورًا مهمًا في القدرة على تحصيل المعرفة وفي طريقة استخدامها استخدامًا سليمًا.

الشهادة العلمية

هي وثيقة «تثبت» أن حاملها تمكّن من تحصيل قدر معين من المعارف والمهارات من خلال إطار منهجي معين. ولكن يمكن للمرء أن يتساءل هل هناك علاقة بين الذكاء وبين الشهادات العلمية؟ هل يمكن الجزم بأن حاملي الشهادات العلمية هم أذكى من غيرهم؟ هل هناك تخصصات تدلّل على ذكاء أصحابها أكثر من التخصصات الأخرى؟ لن أجيب على هذا السؤال بشكل قاطع، ولكنني سأسأل سؤالين. الأول هو هل الشهادة تعني بالضرورة أن صاحبها يحمل معرفة؟ الأصل أن يكون حامل الشهادة على قدر معين من المعرفة والمهارة يتناسب مع هذه الشهادة، لكن ذلك ليس صحيحًا دائمًا بالضرورة! فمصداقية الجهة المانحة للشهادة وطريقة التدريس والاختبار وطبيعة المعرفة المنقولة تؤثر كلها في حقيقة المعرفة التي يتم تحصيلها. الثاني: هل التحصيل العلمي مرتبط فقط بالذكاء؟ أين دور الاجتهاد، والظروف المادية، والنفسية، والتشجيع، والرغبة في التعلّم، والشخصية، والنظام التعليمي، وغير ذلك؟

برأيي الذكاء وحده لا يكفي لتحصيل العلم والمعرفة، فهناك الكثير من «الأذكياء» الذين فشلوا في دراستهم في حين أن من هم أقلّ ذكاءً نجحوا وتفوّقوا.

هل يمكن للأغبياء أن يقدموا شيئًا للعلم وللمعرفة؟

بناءً على ما سبق يمكن أن نتساءل: هل يمكن لمن هم أقلّ ذكاءً أن يقدموا شيئًا للعلم وللمعرفة؟ أستطيع الإجابة بكل ثقة، نعم! فإذا ما افترضنا أن «الأغبياء» لا يمتلكون الكثير من القدرات العقلية، فذلك لا يعني أنهم غير قادرين على الإضافة للمعرفة الإنسانية، فَلَرُبّ باحث أو عالم أو دارس أو متخصص لا يتمتع بقدر كبير من الذكاء يستطيع بمثابرته، وجدّه، وإرادته، وإخلاصه أن يقدّم للبشرية أكثر بكثير من «ذكيَ» مغرور أو كسول أو غير متحفّز أو قليل الخبرة، أو غير محبّ للتعلّم.

صحيح أن الذكاء يساعد كثيرًا على تحصيل العلم والمعرفة، ولكن ذلك لا يكفي حتى الدرجات العالية في المدرسة والجامعة لا تعتمد فقط على الذكاء، بل تعتمد أكثر على الاجتهاد والتخطيط واختيار الأساليب المناسبة.

الذكاء والتجربة والإبداع

هناك ضبابية شديدة لدى البعض حول العلاقة بين الاجتهاد والذكاء والإبداع (Creativity)، وأعتقد أن هناك الكثير من الدلائل على أن الإبداع مرتبط بشكل كبير بمفهوم بالذكاء. ولكن هل الإبداع هو هدفٌ بحدِّ ذاته، أم أنه وسيلة للابتكار والاختراع والتطوير؟ وإذا ما اتفقنا على أنّ الإبداع ليس هدفًا بحدِّ ذاته، فيمكن أن نتساءل: كيف نصل إلى الاختراع والابتكار؟ هل يتم ذلك عن طريق الجهد والتجربة أم من خلال الإبداع فقط؟ هل التجربة أهمّ أمِ الذكاء؟

صحيح أن الهندسة والتصميم يحتاجان إلى قدر من الذكاء والخيال والإبداع، ولكن هناك الكثير من الأعمال الهندسية التي تعتمد على التجربة والجهد، وخير مثال على ذلك المخترع الشهير توماس أديسون الذي كان يعتمد على طريق التجربة والخطأ (يعتمد على الجهد والمثابرة والمنهجية) بدلا من المنهج النظري (يعتمد أكثر على الذكاء) في المقابل كانت عبقرية ابن سيناء تتمثّل في قدرته التأمل (الفلسفة) و ابن سيناء هو الذي قال أنه تعلّم الطب وأتقنه في ثلاث سنوات، ولكنه أمضى جُلَّ عمره في محاولة فهم الفلسفة.

بنفس الطريقة أيضًا يمكن أن نتساءل هل الطلبة المجتهدون هم بالضرورة الأذكى؟ لقد أثبتت دراسات حديثة كثيرة بأن هناك علاقة طردية بين الكسل والذكاء وأن الكسالى عادًة ما يكونوا أكثر ذكاءً!

الذكاء والإبداع مهمّان جدًّا في جميع التخصصات، ولكنهما ليسا بالضرورة أهمّ من الاجتهاد، والتجرية، والمثابرة، والعمل المنظّم.

هل يمكننا أن نصنف البشر؟ وما هي معايير «الأفضلية»؟

العنوان مستفزّ، أتفق معك عزيزي القارئ فليس من حقّ أي مخلوق أن يحدّد معايير الأفضلية، لأن أكرمنا عند الله أتقانا ولكن عندما نلجأ إلى مستوًى معيّن من التجريد، ونستخدم معايير «موضوعية» (في بعض السّياقات) لكي نجيب على السؤال التالي: ما الأهم، الذكاء أم المعرفة، الاجتهاد أم المعرفة، الإخلاص أم الذكاء، وهكذا. وينبثق عن هذا السؤال أسئلة فرعية أخرى مثل: ما هي أفضل المهن؟ أو ما هي أهم التخصصات «العلمية»؟ هذه الأسئلة، سواءً أكانت صريحة أم ضمنية، فهي مهمّة لأنها تساعد في تحديد الأولويات الفردية والجماعية، ولكنها أحيانًا تدفع البعض إلى «تصنيف البشر». لذلك يجب أن تكون الأمور واضحة. فالذكاء لا يعني الأفضلية، والتخصصات كلها مهمة، ومستويات المعرفة ليست معيارًا للتفضيل هَب أن شخصًا يمتلك الذكاء والمعرفة والاجتهاد والمنهجية، ولكنه لا يمتلك الإخلاص، ولا يمتلك الرغبة في الإبداع، ولا الرغبة في مساعدة الآخرين، بل بالعكس فهو يستخدم كل طاقاته وقدراته ضد مصلحة بلده وشعبه ودينه هل لا زال بالإمكان التغنّي بذكائه!

البحث الطويل عن الحكمة والصواب

مما سبق نصل إلى قناعة بأن الذكاء والمعرفة لا يساعدان الإنسان بالضرورة على تحقيق الأفضل، ما يطرح السؤال التالي: هل الذكاء والمعرفة يؤديان دائما إلى الحكمة؟

والحِكمة (wisdom) أو رجاحة العقل (sapience) هي استخدام المعارف والخبرات والفهم والرؤية وكل ذلك بطريقة صحيحة. والحِكمة كما يقول بعض العلماء هي الإصابة في القول والفعل. والحِكمة يعرِّفها البعض بأنها «نظر في المآل واستخلاص للعاقبة بعد استشراف للمستقبل ومعرفة للمقصد». فما هي الحكمة في أن تحصل على أعلى درجات العلم والمعرفة و تُهمل صحتك لتقع فريسةً لأتفه الأمراض، وما هي الحكمة في أن تعجب جميع الناس وتغضب خالقك، ما هي الحكمة في أن تكون أعلم الناس في مجالك ولكنك لا تخدم بهذا العلم أحدًا، بل تخدم به أعداءك؟! ماذا نقول في عالم فيزياء يعبد صنمًا أو بقرة ويتوسل إليها.

كما أسلفنا سابقًا، فإن الذكاء والمعرفة وحدهما لا يكفيان لتقييم الأفراد والمجتمعات، وهما لا يوصلان بالضرورة إلى الحكمة والتي هي ضرورية لتحديد الأولويات، و رسم الأهداف العلمية والمعرفية، للفرد والمجتمع. ومفهوم الحكمة سيساعد في الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي طُرحت سابقًا مثل: هل من الحكمة أن تعلم بأنك ستموت وفي نفس الوقت تسخِّر كل جهدك لبناء أشياء أنت موقن بأنك لن تستفيد منها بعد الموت؟ هل من الحكمة أن تصنع شيئا سوف يتحول إلى عدوِّ لك؟ هل من الحكمة أن يتخصص طالب في مجال مع أنه لا يحبه، أو لا يحتاج إليه؟ هل يجب التركيز على النظرية أم على التطبيق؟ هل الأولوية هي للعلم أم للفائدة المرجوّة منه؟

لا أريد أن أخوض فيما ليس لي به علم، ولكن أختم بقوله تعالى حينما قال « يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الذكاء
عرض التعليقات
تحميل المزيد