عندما نكبر نشعر بأننا بدأنا فهم العالم بطريقة أفضل، فننتقل من عالم الطفولة عالم البراءة العالم الذي فيه نسأل بدون أن نفهم إلى عالم النضج إلى العالم الذي يأتي الدور علينا لنفهم ونجيب، لكن قليلين منا لا يستطيعون الإجابة عن كل ما يرونه في هذا العالم المعكوس، عالمنا بات اليوم غريبا، وأغرب ما فيه نحن. عندما تنظر من حولك فترى كم الأنانية والقسوة التي تلف النفس الإنسانية تعجز عن فهمهما، فترى أن أصحاب السلطة الذين كان من المفروض أن يستخدموا سلطتهم لتحقيق العدالة وحفظ الحقوق يستخدمونها للظلم فتضيع الحقوق ويغدو الظلم سلطة وتغدو العدالة ضحية، وترى أن الاغنياء الذين كان يجب أن يعيش الفقراء على ما يأخذونه من أموالهم، يعيش الأغنياء على ما يأخذونه من تعب وشقاء الفقراء؛ فيزداد الفقير شقاء ويزداد الغني غنى!

عندما ترى الأطفال في عمر الزهور يمضون في الصباح الباكر لا ليأخذوا مقاعدهم في مقاعد الدراسة، بل ليأخذو أماكنهم على الطرقات، وفي المحال للعمل لساعات طويلة، وبأجور زهيدة، وقد أضفت الحياة القاسية على ملامحهم بعضا من النضج؛ حتى باتوا يبدون أكبر من أعمارهم، لاشك أنك حينها تشك بأن هنالك شيئا ما خاطئا، ما الذي نفعله نحن البشر ببعضنا البعض؟ وأي غابة إنسانية نعيش فيها؟! ماذا يعني أن يموت بعض الناس على أبواب المستشفيات؛ لأنهم لا يملكون المال لدخولها؟! أو أن تمنع امرأة على وشك الولادة من دخول المستشفى لتضع طفلها أمام رصيف المستشفى في النهاية، كما حصل مع إحدى اللاجئات في إحدى الدول العربية!

لا شك أن الحياة قاسية بعض الأحيان، لكن أنانيتنا تجعلها قاسية معظم الأحيان. كل هذا يدفعك لتساؤلات عميقة بعمق قسوة وأنانية بعض البشر فتعصف بك التساؤلات: هل حقا القانون الحقيقي الذي يحكم عالمنا هو البقاء للأقوى كما يرى نيتشه، أو البقاء للأصلح كما قال دارون؟ وهل حقا أفكار الإنسان ومعارفه عن العالم الخارجي متأثرة بأوهام ذاتية، ومعتقدات شخصية لا حقيقة لها في الخارج مثل الخير والشر والأخلاق، وأن الحقائق الموضوعية للعالم تختلف عما نتصوره ونعتقده، وأن معارفنا عن العالم إنما هي أوهام ذاتية، وخرافات مورثة. مثلما هو رأي الفيلسوف شوبنهاور؟ عند هذه اللحظة تشعر بنفس الشعور الذي انتاب الأديب الكبير دستوفيسكي حينما صعقته رؤية لوحة ‏المسيح في اللحد أو جسد المسيح الميت للرسام الألماني هانس هيوبلين الابن، التي يُظهر فيها جسد السيد المسيح – عليه السلام – خلافا للصورة التي رسمها البعض في مخيلته. تماما مثلما رسمنا حياة لا وجود لها قبل أن نكبر.

بعد كل تلك التأملات تجد من الطبيعي أن يقوم شاب بقتل نفسه حرقا في تونس أسىً وحزنا على ما ألت إليه أحواله المعيشية، أو أن يقوم شاب سوري بالسباحة من تركيا إلى اليونان لـ6 ساعات متواصلة للخلاص من واقعه البائس، أو أن تقوم امرأة بالإمساك بأيدي أطفالها الصغار لتركب في مركب بسيط متهالك وتشق به عباب البحر للهجرة أو للخلاص دونما مبالاة وخوف من مركب الموت الذي استودعته نفسها وعائلتها، فالبحر المخيف، وإن كان قاتل في بعض الأحيان فهو يقتل مرة واحدة وبطريقة واحدة، عكسنا نحن البشر الذين نقتل بعضنا الكثير من المرات وبكثير من الطرق، في ظل كل هذا لا  تتعجب أبدا إن خرجت بيننا تنظيمات ترى أن أغلب من على وجه الأرض هم كفار!

فعلا إن الحد الذي بلغته الأنانية في النفوس الإنسانية بات مخيفا ولا سبيل لإصلاحها إلا بإتباع كلام خالقها عز وجل، عن طريق العمل بما أمرنا به وتجنب ما نهانا عنه لجعل هذا العالم أجمل وأكمل، حيث ذم الله سبحانه الأنانية ومدح الإيثار والإحسان،  أين نحن من قوله سبحانه و تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/ 9، لما لا نتذكر دائما قبل أن يظلم أحدنا الآخر قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)، لنتخلق دائما وأبدا بالأخلاق التي حثنا عليها وأمرنا بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرفَ كَبِيرِنَا). الإثار والإحسان والرفق والرحمة هي اللبنات الرئيسة التي يجب أن يبنى عليها العالم الإنساني ليغدو عالما يليق بكل البشر،  أما الأنانية والفئوية والقسوة هي أصل كل ظلم وشر على هذه الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد