(1)

هذه كلمات وخواطر عامة حول فكرة المصالحة ومفهومها، أرجو أن تكون صالحة كنقطة بدء لإنزالها على المواقف المختلفة، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات بين كل موقف وآخر.

 (2)

وليس غرض هذه المقالة المزايدة على أحد ولا إحراج أحد، ولا يدعي كاتبها امتلاك الحقيقة، إنما هي من باب النصيحة وشهادة الحق كما يراه كاتبه، ليس أكثر.

(3)

والأصل أن الإسلام ينهى عن الخصومة في الأمة، ينهى أن يتكون الشرر أساسًا، يقول الحق تعالى «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»، ويقول تعالى «وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا»، ويقول تعالى «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا»، فإذا حدثت الشرارة وبدأت النار فإن الإسلام يدعو إلى سرعة إخمادها، يقول تعالى «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا»، ويقول تعالى «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ»، ويقول تعالى «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، وفي الوقت ذاته فإن الإسلام يقضي بأنه إذا وصل الأمر إلى البغي فيجب أن نتصدى له «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، ويقول تعالى «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

(4)

وعلى هذا فإن الأمر في المصالحة مرده إلى سؤالين أساسيين (المصالحة مع من؟)، و(المصالحة على ماذا؟)، هل المصالحة مع قوم لهم في أمرهم مسوغ أو وجه تأويل، هل يريدون الصلح أم هم بغاة؟ وكذلك وعلى ماذا تكون المصالحة؟ على ما يرضي الله ورسوله وفيه صالح الناس، أم غير ذلك.

(5)

ولعله من المهم هنا أن نرجع للأمثلة التاريخية في أمر المصالحات، فبالمثال يتضح المقال، ولعل أول مثال وأشهره هو مصالحة سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية رضي الله عنهما، وهو المثال الذي يروج له دومًا في أمر المصالحة، وسأنقل هنا ما كتبته سابقًا عن هذه المصالحة:

إن الحسن بن علي رضي الله عنه وإن كان يرى نفسه الأحق بالخلافة لم يكن له مطعن في دين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ولا في صدق جهاده وحرصه على المسلمين وعلى كلمة الله، وقد علم حسن إسلامه منذ أسلم قبل أكثر من ثلاثين سنة، وكان من كتبة الوحي، ثم جاهد تحت راية الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تحت راية خليفته أبي بكر الصديق، ثم قاد الجيوش تحت راية عمر بن الخطاب الذي كانت لا تأخذه في الحق لومة لائم، وولى له الشام كلها، فمثل هذا – رغم الخلاف – لا يشك في دينه وفي حرصه على الجهاد وفي صدق ولائه لنصرة دينه، وقد كان، فما أن استتب الأمر لمعاوية حتى استؤنفت الفتوحات الإسلامية في المشرق والمغرب.

– أمثل هذا القياس ينطبق على من أمم المساجد وحارب الدعوة ومنع القنوات الدينية؟ وحتى باعتراف المشايخ الداعين إلى المصالحة أنه يمنعهم من الدعوة، أمثل هذا القياس ينطبق عليه؟!

– أمثل هذا القياس ينطبق على ينشرح صدره وتعلو ضحكته في الكنيسة، ويضيق صدره ويسود وجهه في المسجد؟!

– أمثل هذا القياس ينطبق على الذي حرق جامع رابعة وانتهك حرمة جامعي الفتح والإيمان وغيرهما؟!

– أمثل هذا القياس ينطبق على الذي يقول: «أنتم فاكرين إنكم حتدخلوا الجنة لوحدكم يا مسلمين؟!».

– أمثل هذا القياس ينطبق على الذي يقول: إن هناك نصوصًا نقدسها تضعنا في مواجهة مع العالم ومؤداها أن يحاول مليار ونصف مليار نسمة قتل باقي العالم؟!

– أمثل هذا القياس ينطبق على من يحاصر إخوانه المسلمين في غزة لصالح إسرائيل؟

وسؤال آخر، ترى لو كان معاوية جبارًا في الأرض لا يؤتمن على دماء المسلمين، أكان الحسن بن علي يتنازل له؟! لقد تنازل الحسن بن علي لمن هو مشهور بالحلم والصفح، وبالفعل لم يخيب معاوية رضي الله عنه الظن، فكان حليمًا يتألف الناس باللسان والمال والصفح والحلم، ولم يقتل في خلافته صبرًا إلا رجلًا واحدًا وندم على ذلك أشد الندم.

والسؤال هو: لو كان الحجاج مكان معاوية، أكان الحسن بن علي رضي الله عنه يسعه أن يتنازل له ويستأمنه على المسلمين؟! اللهم لا، اللهم لا، اللهم لا.

فأي الرجلين أقرب قياسًا إلى السيسي، معاوية أم الحجاج؟! أقول لا هذا ولا ذاك ولا يصل حتى إلى الحجاج، فإن الأخير على ظلمه كان له جهاده واهتمامه بالفتوحات وحرصه على كتاب الله وغيرته على محارم الدين إلا ما يقع فيه من الظلم، بينما السيسي يجمع بين البطش بالمسلمين والموالاة للكافرين، ففيه مظالم الحجاج وأكثر وهو خلو من مزاياه، أكان الحسن بن علي رضي الله عنه يأتمن مثله أو يسلم له المسلمين؟!

 (6)

هذا عن سؤال (مصالحة مع من؟)، ثم يكون السؤال (مصالحة على ماذا؟)، فلم يكن صلح سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية تسليمًا غير مشروط، بل كان صلحًا مشروطًا بضوابط عملية وأخلاقية، إذ التزم سيدنا معاوية بألا يعاقب أحدًا وقف ضده، وإذ كان لمعاوية مسوغ في تولي الخلافة بعد رحيل علي، قد كان كاتبًا للوحي ومقاتلًا مع رسول الله وفي الشام ولما يبلغ سيدنا الحسن الحلم بعد، فإن الطرفين اتفقا على أن يرى الأمر شورى في المسلمين بعد معاوية (ورغم أن هذا في الواقع لم ينفذ إلا أننا نتحدث عن شروط الصلح وأنه ما عقد إلا على هذا)، فالمصالحة تكون في النهاية على أسس شرعية وغرضها تحقيق الشرعية، ولا تكون بالتراضي على الباطل والإذعان له، وإلا فهو الجبر والأمر الواقع ولا تؤدي لمصالحة في الحقيقة بأي حال من الأحوال.

 (7)

وعن هذا الأمر تحديدًا يتضح بالأمثلة الأخرى المعضدة لمثال سيدنا الحسن ومتممة له، فعندما راودوا أخاه سيدنا الحسين على (مصالحة أخرى بمفهومهم) تقر الباطل وتشرعن له أبَى سيدنا الحسين أن يعطي الدنية من دينه وأن يرضاها في دنياه، طلب منهم أن يعود إلى مكة فأبوا عليه ذلك وأصروا على أن يعطي الشرعية ليزيد دون وجه حق (من وجهة نظر الحسين) فأبى واختار أن يواجه بالفئة القليلة التي معه على أن يعطي الدنية من دينه ودنياه، وارتضى الهلاك هو وكل عائلته ولم يعط للظالم شرعية.

(8)

وعندما راود الحجاج بن يوسف المحاصر لمكة عبد الله بن الزبير بن العوام على التسليم وإعطاء الشرعية له ولسيده في دمشق ذهب عبد الله إلى والدته المسنة أسماء ليسألها، وهي تعلم أنها تجيبه بما فيه حياته أو هلاكه، فأجابت بما سجله التاريخ بأحرف من نور: «يا بنى أنت أعلم بنفسك، إن كنت على حق أو تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل أصحابك عليه، وإن كنت أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من معك، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن، والله لضربة سيف في عز خير من ضربة سوط في مذلة». فهل بعد هذا كلام أو بيان؟

(9)

وهذا كان أيضًا في غير المسلمين، وأظهر مثال له في العصر الحديث تشرشل، هل تولى الوزارة والإنجليز محطمون أمام انتصارات ألمانية كاسحة، وقد سحق الجيش الإنجليزي في فرنسا، ووقع ثلاثون ألف إنجليزي في أسر الألمان، وترك هتلر ثلاثمائة ألف يعودون في قوارب أمام عينيه أملًا في عقد صلح مع الإنجليز، وترك الجيش البريطاني كامل أسلحته في فرنسا غنيمة للألمان، وأصبح أمام تشرشل خياران، خيار الصلح وهو ما يضغط به عليه معظم الساسة الإنجليز بعد أن يئسوا من النصر، وقد وصلت إشارات من هتلر الذي كان يحترم الإنجليز أنه على استعداد لصلح غير مذل يحفظ للإنجليز معظم الإمبراطورية، والخيار الآخر هو المضي في الحرب إلى نهايتها بكل أهوالها.

وخرج تشرشل إلى الأمة الإنجليزية يعلن أن خياره هو الحرب ضد النازية حتى النهاية، من أجل بريطانيا ومن أجل العالم، وأنه طريق كله دم وعرق ودموع، وأنه سيحارب في كل بيت وفي كل شارع، ووصل أن قال حتى لو سقطت الجزر البريطانية فإن بريطانيا ستستمر في الحرب من ممتلكاتها وراء البحار.

ولولا موقف تشرشل لربما كانت أعلام الصليب المعقوف ما زالت ترفرف في برلين وباريس إلى اليوم، ولما استطاع العالم بسهولة أن يتخلص من النازية، لقد نبذ تشرشل المصالحة المسمومة فخلده التاريخ، ولو قبلها لأضاع أوروبا والعالم، ولأنزله التاريخ في أدنى الدركات.

(10)

لذلك أدعو كل من يتكلم عن المصالحة أن يسأل نفسه: مصالحة مع من؟ ومصالحة على ماذا؟

(11)

ويحلو للبعض أن يضرب مثالًا بعفو الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطلقاء، بحالة جنوب أفريقيا، وهي أمثلة تؤكد ما نذهب إليه ولا تعارضه، ففي حالة فتح مكة تعالوا نُجِبْ السؤالين؛ (مصالحة مع من؟)، لقد عفا الرسول عمن حاربوه لجاهلية كانت فيهم وأمور استداموا عليها طويلًا وعز عليهم تركها، ولقد حاربوه وحاربهم، وأثخن فيهم بمقدار ما أثخنوا فيه، وقتل أشرافهم في الحرب، وقطع طريق تجارتهم، ونال منهم بأكثر مما نالوا منه، فلما دخل مكة فاتحًا منهيًا بذلك الحرب قدر أن أسباب الحرب انتهت، وأنه إذا دخل قلبهم الإسلام انتفت الأسباب التي قاتلوه عليها والراجعة إلى طبعهم الجاهلي، أما الذين غدروا وكانوا في خصومتهم خارج حتى طباع المتعارف عليه في مجتمعهم الجاهلي فهؤلاء لم يعف عنهم رسول الله وأباح دماءهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، ومثال آخر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يدعُ على قريش التي حاربته في الوجه، بينما ظل شهرًا يدعو على رعل وزكوان الذين غدروا برسله وقتلوهم.

والسؤال الثاني (المصالحة على ماذا؟)، فهل صالح الرسول أهل مكة على بقاء صنم من الأصنام؟! أم صالحهم بعد أن حطم الأصنام جميعها، هل صالحهم على الانصياع للشرعية أم ساوم عليها؟ هل قدم لهم من دينه أو دنياه في ذلك؟

كذلك في حالة جنوب أفريقيا، لم يكن المجرم أو المخطئ شخصًا، بل حالة عنصرية يمارسها البيض الذين كانوا يمثلون خمس السكان، وكانوا قد أبدوا الاستعداد للمصالحة والتغيير، وهنا يأتي السؤال الثاني (المصالحة على ماذا؟)، هل تمت مصالحة جنوب أفريقيا على أساس بقاء النظام العنصري أم على إنهائه؟! هل تمت المصالحة على أساس بقاء الرئيس العنصري أم على تنحيه وتولي رئيس أسود للبلاد؟ وهل لو كان البيض تآمروا على الرئيس الأسود وأسقطوه بانقلاب وأتوا برئيس عنصري جديد أكان أهل البلاد يصالحون على ذلك؟!

(12)

ومع ذلك نحن لا نزايد على من لا يستطيع تحمل المحنة أكثر من هذا، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، أما من لم تصبه المحنة أو أصابته ويستطيع التحمل فليس له بحال أن يعطي الدنية في دينه ودنياه، ويصبح فتنة للناس يتقدمهم إلى طريق الباطل بعد أن كان يدعوهم إلى الحق، هؤلاء نقول لهم وفيهم كما قالت أسماء رضي الله عنها: أنت أعلم بنفسك، إن كنت على حق أو تدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل أصحابك عليه، وإن كنت أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من معك، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المصالحة
عرض التعليقات
تحميل المزيد