ما أثر استبدال الأغاني الحديثة بتراثنا الأدبي؟

من المسائل التي من كثرة تفشيها ومن كثرة ترددها أهملتْ ولم يعد للحديث عنها طعم أو رائحة. هي موقفنا كمسلمين مما نسمعه من الأغاني والطرب. وأنا هنا لا أتحدث من مقام التقي الورع الذي لا يدخل الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولكني كنت قد اعتزلتها لعدة أشهر وبدأت أستمع إلى الأشعار القديمة بدلًا عنها. ولكن خلال تجولي بالسيارة مع أصدقائي، كأي نزهةٍ شبابية طبيعية، وجدت نفسي عالقًا أمامها مجدّدًا (أقصد الأغاني) وأنا عاجزٌ عن الهروب. وكأي متفلسف (وليس فيلسوفًا بل مجرد متحذلق) جلست مطرقًا طوال الرحلة واضعًا ظهر كفيّ على خدي (متّخذًا وضعية المفكر العميق). أفكر وأتأمل في طبيعة ما أسمعه.

أنا هنا لست بصدد مقاربة هذه المسألة من منظور شرعي فلست أهلًا لذلك بالمرّة. ولكني هنا بصدد مقاربتها من منظور فلسفي لغوي، ونفسي أيضًا إن صح القول. فأنا ممن يؤمن بتأثر الإنسان بما يسمعه سواء عقِل(أدرك) هذا الأثر أم لا.

منذ القرن الماضي بدأت ظاهرة انتشار الأغاني وتفشيها بين أوساط المجتمع وأصبح الصغير (قبل الكبير) معرّضًا لها طوال الوقت وأصبحنا لا نتخيل أي عمل سواء كان مسرحيًّا أو أدبيًّا أو شعريًّا يخلو منها، هذا إن لم تكن ركيزة من ركائزها.

ولكن هل تأملنا يومًا في طبيعة محتوى الأغاني وهل حاولنا أن ننظر في طبيعة الدلالات التي تحملها؟ لوجدنا أن الأغاني الحديثة (والقديمة) مليئة بالإسفاف اللفظي والمعنوي (أقصد المعنى) على حد سواء. كما أن الكثير مما نحب سماعه قد نجهل معانيه. مثل الأغاني الأجنبية. ولعل هذا الجهل أحد أسباب حبنا لها. فكثير مما كنت أسمعه وأعظّمه تغيرت نظرتي له تمامًا بعد فهمي لمعانيه. كما أن العديد منها أصبح يلجأ بشكل أساسي جدًّا الى الإيقاع. فتجد الأغنية كلها تتكون من خمس أو ست كلمات وباقي الأغنية إيقاع.

وبصراحة كنت وما زلت إلى الآن أطرب لسماع مثل هذا النوع من الأغاني، حتى لا يظن أنني أحسن حالًا. ولكن ما جعلني أتحسر عند سماعي إياها هو: قيامي بمقارنة ما سمعته بما اعتدت سماعه من الشعر، وقد اتهم بأنني إنسان متعصب وحقير وهذا حقيقي ولا أمانع في أن أوصف بذلك. ولكني أجد أن المحتوى اللغوي والثقافي والمعرفي لدقيقة واحدة من أحد القصائدْ يفاضل (يعلو) كل ما أُصدر من الأغاني خلال القرن الماضي (او طوال الدهر من باب المبالغة). فلا أجد ما يوازي فخر عنترة بنفسه عندما يقول:

أنا العبد الذي خبرِّتَ عنهُ**** فقد عاينتني فدعِ السماعَ

فلو أرسلت رمحيَ مع جبانٍ**** لكان بهيبتي يلقى السباعَ (ولا يمنع أنني قد أجد قلبي عالقًا في حلقي إن لمحت كلبًا من على بعد أميال)

او مفاخرة عمر بن كلثوم بقبيلة بنو تغلب عندما:

بغاة ظالمين وما ظلمنا**** ولكنَّا سنبدأ ظالمينَ

أو عبارة تعبّر عن عذاب محبٍّ لحبيبته كالتي عند قيس بن الملوح (مجنون ليلى) في قصيدته المؤنسة، عند قوله:

تراني إذا صليت يممت نحوها**** بوجهي وإن كان المصلى ورائيَ

وما بيَ إشراك ولكن حبها **** وَعُظمَ الجَوى أَعيا الطَبيبَ المُداوِيا.

أو في موضع آخر عندما يقول:

هي السحر إلا أن للحسر رقيةً**** وإني لا ألفي (أجد) لها الدهر راقيِ.

أو رثاءً كرثاء ابن الرومي لابنه عندما قال:

وأولادنا مثل الجوارح أيها****فقدناه كان الفاجع بين الفقدِ

لكل مكان لا يسد اختلاله**** مكان أخيه في جزوع ولا جلدِ.

أو في موضع آخر أثناء مناجاته لعينيه:

عينيَّ جودا فقد جدت للثرى**** بأنفسَ (أثمن) مما تسألان من الرفدِ

عينيّ إلا تسعداني ألمكما وإن تسعداني اليوم تستوجبا عمدِ

ولم أجد مدحًا (أو ثناءً أو تطبيلًا) مثل تطبيل المتنبي لسف الدول:

قد زرته وسيوف الهند مغمدةٌ**** وقد نظرت إليه والسيوف دمُ

فكان أحسن خلق الله كلهِّمُ **** وكان أحسن ما في الأحسن الشيمُ (أي أنه ظل محافظًا على مكارم الأخلاق ومحاسنها في السِّلم(والسيوف مغمدة) وفي الحرب(والسيوف دمُ))

ولكن للأسف أجد أن معظم الناس يجهلون هذا التراث العظيم والغني بأرقى أنواع الكلِم. فالمسألة أشبه بمن يترك الماء الزلال العذب على حساب المجاري. والسبب لأن مياه المجاري طعمها ألذ.

لو تشابهت الأذواق لبارت السلع، أليس كذلك؟

تعد هذه من الردود الشائعة جدًّا عندما أطرح هذه المسألة. فهي من ناحية تعد من الحكم العربية القليلة التي يألفها الناس (والسبب في رأيي لأنها تبرر العديد من اختياراتنا التي قد تكون شاذة أو مختلفة عن المجتمع).

أولًا لابد أن نقبل بأن هناك سلعًا ستبور أو ستختفي على حساب سلع أخرى. وهذا في رأيي مسألة حتمية. ولكن السؤال هو: أي السلع أحق بالبوار (الفساد)؟

ولكن ما الذي قد يدفعنا لسماع الشعر أو الأدب بشكل عام عن سماع الأغاني؟

والجواب على هذا التساؤل ينقسم إلى شقين. الشق الأول: أهمية الصناعة الأدبية في واقعنا المعاصر. والشق الثاني: هل من الحتمي على المرء أن لا يتمتع بالأدب؟

قيمة الأدب بشكل عام هي قدرته على إظهار جماليّات اللغة. كما أنها تساعدنا على إدراك الإعجاز الحقيقي في القرآن. ولكن كيف ذلك؟ والجواب في رأيي هو: أن القرآن على حد علمي أتى معجزة بلاغية. فكيف سنتمكن من إدراك هذا الاعجاز دون أن نكون على علم ولو بسيط بما جاء القرآن ليعجزه (وأقصد كلام العرب وأشعارهم). كما أنها تسهّل اعتيادنا على العديد من النصوص التراثية وإشعارنا بنوع من الألفة تجاهها. وأضف إلى ذلك أنها تزيد من قدرتنا التعبيرية فنصبح قادرين على إيصال مشاعرنا وأفكارنا للشخص الآخر بشكل أكثر كفاءة (وإن لم أكن خيرَ مثال على ذلك).

فأحد الأمور التي استوقفتني. هل سنقوم بالرقص والتمايل على ألحان أغاني ألان وولكر مثلًا عندما نشعر بحاجة ماسة للتعبير عما يدور في نفوسنا. بمعنى أصح، هل يسعنا مخاطبة شخص ما بغرض توضيح مسألة معينة. فنقول لهً: أو أو إي إي، دان دان دو؟ (يفترض ان هذه محاكاة لبعض الألحان التي نسمعها، بغض النظر عن جودتها).

بالنسبة للشق الثاني من المسألة. قد يقول قائل: ومن قال إننا نسمع الأغاني حتى نزيد من فصاحتنا؟ وبالتالي ما الضير إذًا في سماعها طالما أنها تشعرنا بقدر من المتعة في حين أننا قد لا نستطيع أن نتمتع بنفس القدر عند سماعنا للشعر.

من الأسئلة التي استوقفتني كثيرًا جدًّا، هي: هل يمكن للمرء أن يتحكم في مصادر الدوبامين في عقله (وهو أحد الهرمونات المرتبطة بمسألة الفرح أو السعادة). يعني هل توجد فرصة حتى نتلذذ بسماع الشعر أو القرآن كتلذذنا بسماع الأغاني؟

والجواب من تجربتي الشخصية، مع الشعر على الأقل، هي طبعًا! ولكن هذه من المسائل التي لا أعتقد أنها قد تردك وأنت نائم. ولكن هذه من المسائل التي لا بد ان تسعى لها. وهذا السعي قد يتطلب قدرًا من جهاد النفس والصبر عليها. فالشعر مثلًا من الأمور التي لم أستطع أن أفهم قيمتها إلا بعد بلوغي لمستوى معين من اللغة. بالإضافة إلى اطلاعي قدر بسيط جدًّا من النثر الأدبي (الرافعي والمنفلوطي). ولكني أثق تمام الثقة أنني لو سمعتها قبل ثلاثة أو اربعة أعوام لما استمتعت بها. وأنا أؤمن أن نفس المسألة تنطبق على القرآن. فهناك علوم تساعدنا على فهم واستيعاب النصوص الشرعية: مثل علوم اللغة وعلوم التفسير والمنطق ونحوها من العلوم (والله أعلم).

في النهاية: هل أنا أقول إن الحياة كلها ضياعٌ في ضياع؟ ولكن ما أريده فقط أن نكون على علم وإدراك بحقيقة أن عجز المرء عن تحصيل المتعة عند سماع القرآن أو الشعر ليس مسوغًا كافيًا لتجاهلهما. وأن هناك بعض المتع التي لن تتأتى إلا بعد بذلنا للغالي والنفيس في سبيلها. وهذا رأيي الشخصي فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد