“يروى عن النبي محمد أنه وقف على أبواب مكة دامع العينين، وقال: والله إنك لأحب بلاد الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت”.

***

 

كنت قد انتهيت من قراءة كتاب وقائع خروج أسرة يهودية من مصر، والذي تحكي فيه الكاتبة لوسيت لنيادو قصة خروج أسرتها من مصر في ستينات القرن الماضي. واستوقفتني عبارة الوالد، بينما هو على ظهر سفينة تأخذه إلى المنفى الفرنسي عبر المتوسط “رجعونا مصر”، أما ابنته تعلق: “وكأنه أدرك للتو فقط أن ما يجري له ولأسرته ليس كابوسًا مرعبًا سيفيق منه، أو هكذا كان يمني نفسه.

 

أدرك الآن، والآن فقط، عندما بدأت السفينة تمخر عباب البحر، أنه لن يكون بمقدوره مرة أخرى العودة لبيته الواسع في القاهرة، الذي قضى فيه أكثر من أربعين سنة من عمره، بعد أن أجبرهم نظام عبد الناصر على الهجرة، وتوقيع إقرارات بعدم عودتهم إلى مصر نهائيًّا، سيصير من الآن لاجئًا، رغم أن له وطنًا، وله فيه بيت”.

***

 

أعود مرة أخرى إلى الحاضر، ففي الموصل العراقية وبمجرد قيام الجماعة التي تلقب نفسها “بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام- داعش” ببسط سيطرتها على المدينة، صدرت الفرمانات القاضية بإمهال المواطنين المسيحيين يومين للخروج من مدينتهم ومصادرة بيوتهم وممتلكاتهم. هكذا بمنتهى البساطة تجد نفسك بلا وطن، ولا بيت، لمجرد أن هذه رغبة الغرباء الذين يحملون السلاح، بدون أن يسمحوا لك حتى بحمل ذكرياتك وأنت تغادر، فهم يصادرونها كما صادروا وطنك وبيتك وتصبح لاجئًا.

***

 

“سأل الطفل الحائر شادي يا أستاذي أين بلادي؟ إني أسمعهم يحكون …. عن بيتي عن وطني الغائب
عن كرمتنا والزيتون …. وربوعٍ صادرها الغاصب
كل رفيقٍ من رفقائي …. يحكي عن وطن ٍ يهواهُ
وأنا وطني ملئ دمائي …. لكني لا، لا ألقاهُ”
هذه أنشودة فلسطينية احفظها عن ظهر قلب منذ الطفولة.

***

 

تفتحت عيني وأنا طفل في العاشرة على مشاهد اللاجئين في الخيام، والمهجرين بفعل الحروب والنزاعات، البداية كانت مع حرب البوسنة ومأساة الصومال، ولن تنتهي بفلسطين، أشاهد اللاجئين في نشرات الأخبار، ويقيني بأنهم بالضرورة أناس آخرون بعيدون عنا يتزعزع، وتزداد مخاوفي وهواجسي من اليوم الذي أصبح فيه لاجئًا، ويشاهد الآخرون وطني عبر نشرات الأخبار وقد صار مرتع للغرباء مشاهدة عابرة؛ فهذه مجرد نشرة أخبار! هذا يحدث للآخرين! قد يكتب أحدهم مقالة مثل هذه، لكن ما الذي يستطيع أن يفعله ليعيدني إلى بيتي؟ وكم علي أن أنتظر؟ ستين عامًا؟

***

 

رغم مرارة ما يحدث في سوريا الحبيبة، لكني لم أملك إلا أن أفرح من قلبي عندما رأيت على الشاشات مواطنين لاجئين عادوا إلى بيوتهم في حمص، بعد أن استعاد الجيش السوري سيطرته على المدينة. لن أنشغل بتعقيدات ما يجري في سوريا، لكن أتمنى أن يرجع باقي اللاجئين والمهجرين إلى بيوتهم.

 

يحتفظ الفلسطينيون بمفاتيح بيوتهم التي أجبروا على تركها من عشرات السنين، وصاروا لاجئين في أنحاء الأرض على أمل أن يعودوا إليها يومًا ما! أتمنى أن يعودوا، وقل عسى أن يكون قريبًا.

***

 

أعلنت المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، تجاوز عدد اللاجئين على مستوى العالم (50) مليون لاجئ، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ليصل إلى (51.2) مليون لاجئ. وجاء في تقرير نشرته المفوضية اليوم، بمناسبة اليوم العالمي للاجئين، في العشرين من يونيو الماضي إن (6) مليون لاجئ جديد انضموا إلى اللاجئين على مستوى العالم خلال عام (2013)، بسبب الحروب، والنزاعات، وأعمال العنف، خاصة في سوريا، وأفريقيا الوسطى، وجنوب السودان.

 

وأشار التقرير لوصول عدد النازحين داخل سوريا خلال سنوات الأزمة الثلاثة إلى (6.5) مليون نازح، بالإضافة إلى (2.4) مليون سوري يعيشون كلاجئين خارج سوريا. ووفقًا للتقرير فإن الدول النامية تستضيف (86%) من مجموع اللاجئين على مستوى العالم.

 

يقول المفوض السامي للأمم المتحدة لشئون اللاجئين “أنطونيو جوتيريس”، في معرض تعليقه على التقرير، إن نزاعات جديدة تنشأ قبل أن يتم حل النزاعات القديمة، مضيفًا أن (6.3) مليون شخص يعيشون كلاجئين منذ سنوات، بينهم على سبيل المثال (120) ألفًا من أقلية “الكارين”، يقطنون منذ (20) عامًا، في مخيمات على الحدود، بين ميانمار، وتايلاند.

 

ولفت “جوتيريس” إلى أن تزايد عدد اللاجئين، يخلق مشاكل كبيرة، للمنظمات العاملة، في مجال الإغاثة.

 

ويشكل الأفغان أكبر عدد من اللاجئين في العالم، حيث يصل عددهم إلى أكثر من (2.5) مليون لاجئ، يليهم اللاجئون السوريون الذين يبلغ عددهم (2.4) مليون، ثم الصوماليون الذي يبلغ عددهم (1.1) مليون. ولا يشمل التقرير النازحين داخل بلدانهم، والذين تقدر الأمم المتحدة عددهم بـ (33.3) مليون نازح.

***

 

كثيرة هي التفاصيل والحكايات، ومختلفة ومتشابهة. كثير هم المبعدون، مختلفة أسباب إبعادهم، متشابهة في قبحها وألمها. كثير هم الناس، مختلفة أوطانهم وأديانهم وألوانهم، كثيرة حروبهم ونزاعاتهم. وإنهم وإن كثروا أو تحاربوا واقتتلوا، فإن خيام اللجوء تجمعهم.

 

إن الحروب تتوقف، لكن آثارها لا تنتهي، وإن الكراهية باقية، تصنعها النفوس المريضة التي صنعت الحرب وبدأتها، وترثها العقول الضحلة وتعتقها، ثم يأت من لا ناقة له ولا جمل، بعد جيل أو أكثر، فيشرب هذا الكأس المعتق ويسكر، فيبعث فتنة ماتت، يشعل حربًا ضروسًا، وينصب خيمة لجوء جديدة.

 

لا تشربوا الكأس ولا تقربوه، اكسروه، اعلنوا الحرب لكن على هذه الكراهية فيكم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد