اليقين في زمن كورونا

دائمًا ما كنت أتساءل لماذا غامر الحواريون بطلب نزول مائدة عليهم من السماء، وخاصة وقد حذرهم عيسى، عليه السلام، ثم جاء تحذير الله لهم «إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ» ( المائدة: 115).

هذا المشهد يذكرنا بموقف إبراهيم حين طلب من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، «قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» (البقرة: 260)، علل أهل الطريق هذا الموقف بقولهم إن إبراهيم كان يعبد ربه بعلم اليقين فأراد أن يعبد ربه بعين اليقين.

ومن هنا يأتي المراد من المقال أن عبادة العين والمشاهدة يجب أن تختلف عما قبلها!

كنا دائمًا نقول إننا إذا رجعنا إلى ديننا فسوف يتنزل النصر وكنا نردد ما قاله رب العزة «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال: 10)، لكن ضعف الإيمان ووسوسة الشيطان كانت تحاول إفساد هذا اليقين، فكان البعض يقول: كيف نتحرر من هيمنة الغرب وبيننا وبينه هذه الفجوة الجبارة في كل مناحي الحياة، بل إن الغرب يزداد كل يوم تقدمًا ونحن نزداد رجوعًا وتخلفًا؟

حوار مع صديق:

أتذكر في نقاش مع بعض الأصدقاء بعد غزو أمريكا للعراق قال لي: لا حل أمام الأمة إلا بإسلام أمريكا. استفزني وقتها شعور الهزيمة النفسية في كلام صديقي وقلت له: بل ستدفع الجزية عن يد وهي صاغرة!

كنا نردد دائمًا يا رب أرنا في هؤلاء الطغاة آية، وكان البعض يسيء الأدب مع ربه ويقول: أين الله؟ هذه الفكرة كانت مستقرة في نفوس كثير من المسلمين حتى جاء هذا المخلوق الضعيف الذي لا يرى بالعين المجردة.

جند الله

نعم! إنه كورونا. جند من جنود الله أذل العروش وأغلق الحدود وعطل المصانع، بل وضع البشرية كلها في سجن إجباري وهو لا يرى إلا بالمجهر، إنه عين اليقين الذي يجب أن تكون رسالته الواضحة للبشرية جمعاء وفي القلب منها المسلمون. يجب أن تكون الحياة قبله غير الحياة بعده.

كيف كانت الحياة قبل كورونا؟

يجب أن ندرك أن الله لا يغضب على البشر إلا بكثرة المظالم، أنين المظلومين يهتز له عرش الرحمن، وبكاء الثكالى يبكي له الملأ الأعلى، مظالم لم تحدث في تاريخ البشر. حُرِّق أصحاب الأخدود فحُرِّق أهل سوريا بالقنابل المتفجرة، استحيا فرعون النساء وقتل الصبيان، فكان أضعاف ذلك على أهل مصر وكردستان، حاصر كفار قريش النبي في شعب أبي طالب، فحوصر أهل غزة أضعاف مدة حصار قريش.

اجتمعت مظالم البشرية منذ أن خلق الله آدم، عليه السلام، في عصرنا هذا، ثم نتساءل لماذا غضب الله!

فهل وعت البشرية الدرس وفاءت إلى ربها وردت المظالم إلى أهلها؟

هل أدرك الملحدون أن إيمانهم بفيروس ضعيف دون رؤيته أو مشاهدته وخوفهم منه لأنهم شاهدوا آثار قوته وفعله بالبشر؛ يجب أن يكون هذا طريقهم للإيمان برب الأكوان، فسماء ذات أبراجٍ، وأرض ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج ألا تلجم أهل الحجاج؟

وهل أيقن المسلمون بكلام ربهم حين أخبرهم في رسالته الخالدة إليهم «مَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ» (المدثر: 31)، وهل فهموا ووعوا ما أدركه الصحابة يوم تبوك حين نزل قوله تعالى: «إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (التوبة: 40)

فهل تأدبت البشرية مع ربها؟

اللهم إنا شاهدنا آثار قدرتك بأعيننا واعترفنا بعجزنا وقلة حيلتنا فارفع عنا هذا البلاء.

يارب اشتقنا للجلوس في محاريب الصلاة، والمرور على رياض الجنان، فردنا إليها طائعين راغبين، اللهم آمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

خواطر
عرض التعليقات
تحميل المزيد