إنْ جَلبنا المناهج المدرسية الأمريكية أو الفنلندية أو الكندية أو الماليزية، لتدريسِ طلاب الأردن – قلت المناهج ولم أقل الكتب المدرسية لأن هناك فرقًا كبيرًا بينهما – فهل ينعكس ذلك إيجابيًا على الطلبة، ويوسع مداركهم وإمكانيات تحصيلهم، أم أن المناهج لا يمكن القياس عليها، لكونها مُرتبطة بعنصرٍ أساسٍ سابقٍ عليها، يِتعلقُ بِطرائقِ التدريسِ، ومن يقُوم عليه، بالنهج لا بالمنهج.

فهل فعليًا عملت وزارة التربية والتعليم على تغيير المناهج المدرسية أم غيرت الكتاب المدرسي؟ إجابة السؤال تتطلب مختصًا، فالمنهاج المدرسي حصيلة تراكمية جمعها الطالب في المدرسة وخارجها بإشرافها، وهذه لها علاقة بخدمة المجتمع، وتفعيل دور الطلبة في المجتمعات المحلية وهم على مقاعد الدراسة، لكن الكتاب المدرسي ليس إلا حلقة واحدة من سلسلة متصلةٍ يَشتركُ فيها المعلم، والإدارة ودليلُ المعلم، ومَرافق المدرسة، مع المجتمع المحلي.

لا شكّ، تَستطيُع وزارةُ التربيةِ والتعليم طرحِ مناهجٍ جديدةٍ مُشابهةٍ لتلكَ المُعتمدة في الغربِ، لكنْ من الاستحالةِ بمكانِ أن تكون النتائجُ مشابهةً لها، بقدرِ ما هي مختلفةٌ وسلبيةٌ جدًا، لرُبما لأن النتائج تَقفُ عِندَ السلبيات، ولكَون المُشكلُ تنَحصُر في عنصريِ الَعمليةِ التربويةِ، الوزارةِ وَمن يعملُ تَحتَ مظلتها، والطلابِ وأهاليهم، هَذا دونَ دخولِ عَوامل خارجيةٍ تَحرفُ وتوجهُ مسارَ عملِ الوزارةِ وتوجهاتها التي يَتوجُب أن تَستمدَ من ثَقافتها الشعبية الوطنية وخُصوصيَتها.

إذن، ما القيمةُ المضافةُ التي تَجنيها الوزارةُ من تَعديلِ الكتب المدرسية مع علمها المُسبق بعدم مقدرة المعلمين على التعاملِ مَعها أولًا، ولمقدرتها على قيادة صِدامٍ حقيقي مع منظومةِ قيمٍ مُجتمعيةٍ سَائدةٍ لا يُمكن تَخطيها بسهولةٍ، ثانيًا، دونَ الأخذِ بِعينِ الاعتبارِ أن تَراجعَ مستوياتِ الطلبةِ لا علاقة له بالمناهجِ وما تَطرحهُ، بقدرِ ما له علاقة بغيابِ العقليةِ التربويةِ والعلميةِ عن إدارةِ الملفِ التَعليمي برمته وهذا يشمل الجامعات والمدارس على حد سواء.

فَهل المَناهجُ مسؤولةٌ عن غيابِ آلياتِ التدريسِ في الغرفِ الصفيةِ، ما أسِهم في تراجعِ مُستويات الطلبة، أم أن الخلطةَ العجيبة غيرَ المُتجانسِة التي تحَويها الكتبُ، أسهمت في تَدني مُستوياتِهم.

أعترفُ، أبدع وزيرُ التربيةِ والتعليمِ مُحمد الذنيبات في إيجادِ المَبررات لإثبات صِحة الأسبابِ الداعيةِ لتعديل الكتب المدرسية والمحصورة في إطار ديني، كونها نواة لإنتاج التطرف ورفض الآخر، وتدعو إلى الإرهاب حسبما تراه الدولة الأردنية، لكنها لم تقترب من المواد العلمية أو الفكرية أو الأدبية والتاريخية والفلسفية التي تصنع عقلًا ناقدًا مبدعًا للطالب! هذا مع إسقاط الاعتراضات السابقة بل وعدم الاكتراث لها عندما تم حذف الدروس الخاصة بالشهيد الطيار فراس العجلوني مثلًا، وعدم تضمين كتب الثقافة العامة والتاريخ قصصًا من تضحيات الشعب الأردني الحقيقية، وبطولاتهم في حماية الأردن مما يتهدده، وحصرها في دائرة واحدة يبدأ التاريخ منها.

كنا نتمنى أن تلتفت اللجان القائمة على تعديل الدروس إلى مباحثِ العلومِ والرياضياتِ وتَعديلها، بل ونسفها من أساسها واستبدال مواد تُحاكي ما وصلَ إليه العالم من تطورٍ وتقدمٍ علمي بها، لا أن تَحصُر حَركتها في الموادِ الدينيةِ والثقافيةِ باعتبارها تربةً خصبةً لإنتاج الإرهابِ وعدم احترام الآخر – من هو الآخر هنا حقيقة لا أعلم – وترفضُ الَتسامحِ وتُسهمُ في تنشئةِ جيلٍ موقوت يمكنُ أن يتفجرَ بسهولة!

قبل هذا، أطَلت الملكة رانيا في إعلانِ المبُادرة الوطنية للِمواردِ البشريةِ، اعتمدت في طرحها على إحصائياتٍ تُظهر مُستوى انهيار المنظومةِ التَعليميةِ – هنا لا ألَوم الملكة فهي لا خبرة لديها في التربية والتعليم –  لكنها لم تطلع على مكامنِ الخللِ الحقيقية، التي لا تتعلق بدروسٍ كلاسيكية لا تناسبُ تطوراتِ العصرِ المتُسارعةَ. بل بنوعيةِ الإدارةِ الميدانيةِ للعمليةِ بُرمتها، عمليةٌ تفتقرُ إلى أدنى الأدوات التي تُمكنها من إنجاز المطلوبِ، وهذه لها ارتباطٌ بمشاكلِ المناهجِ الجامعيةِ الكارثيةِ، وبناء مُدرس مُؤهل تربويًا يُسهمُ في خلقِ جيلٍ على قدرٍ من الوعي والإدراك.

أتَعلم الملكة أن الكثير من علاماتِ الطلابِ في موادِ الرياضيات والعُلوم، لا أساسَ لها من الصحةِ، وأن غالبيةِ المدارسِ لا تَكترثُ لحصصِ المختبرات كَالحاسوبِ والعلومِ، وأن الاهتمامَ بحصصِ الفن والتربية المهنية صارَ في أدنى المستوياتِ، لكونها حسب الأساتذة وإدارات المدارس لا قيمة لها، وأن حصص الأنشطة الطلابية جُمدت أو اعتبرت سبيلًا لإنهاء اليوم الدراسي، ما انعكس سلبيًا على نوعيةِ الطلبةِ، وتَحصيلهم العلمي.

ثمة فرق بين ما قالته الملكة، وما يطرحه الوزير الذنيات، بل يمكن القول إن قرارات الوزير الخاصة بالمناهج محبطة جاءت معاكسة للآمال التي تعقدها الملكة على المبادرة من حيث ضرورة العمل على إيجاد الآليات لمساعدة الطلبة والارتفاع بمستواهم، وهذا لا علاقة له الدروس، بقدر ما له علاقة بالأدوات الضعيفة التي تستخدم في التفكير والتطبيق.

وعليه، ما جدوى تعديل الدروس ما دامت نسب التسرب من المدارس عالية جدًا، ما القيمة المضافة لتعديل الدروس والآلاف من الطلبة لا يقرؤون ولا يكتبون، كيف يستسيغ الطالب تعديل المناهج وهو بالأصل يكره المدرسة، أنى يمكن رفع سوية العقل والمعلم ليس إلا رجل شرطة يحرس الطالب لكنه لا يملك الأدوات الحقيقة في حراسته، كذلك أنَّى للطالب التعاطي مع المناهج، والمدرس غير قابل للتطوير من جراء غياب البرامج الحقيقية التي تتكفل برفع مستواه، خصوصًا في المواد العلمية.

 

بل أسأل: كيف يوجه الوزير بتشكيل لجنة لمناقشة التعديلات الجديدة، بحيث يظهر عدم درايته بما يعتمل في قلب وزارته، وكأنه لم يطلع عليها قبل إقرارها، تاركًا إياها للجنة التأليف؟ أسئلة كثيرة تطرح، لكن لا إجابة عليها!

 

الخلل كانَ وما زالَ في العقليةِ الترَبويةِ التي تتَسيد ملف إصلاح الوزارة، وهي غير قادرة على إصلاح أسَاليبِ تَفكيرها، بل لنقل تَطويرها، لَربُما لكونها ترى بعينٍ واحدةٍ، ونظرتها للاِصلاحِ التعليميِ لا تَختلف عن رؤيتها للإصلاح السياسي، تنحصر في المناهجِ والمُقررات، لكنها لا ترتكزُ على الأدواتِ، وهي أساس الخَلل، التي باتت بمثابةِ عاملٍ مساعدٍ لإفشالِ العمليةِ التربويةِ برمتها.

 

أخيرًا: تعديل الدروس الدينية والثقافية لا يعني إصلاحًا للمناهج، بقدر ما هو قتل حقيقي لها، لكونه ركز على المواد الثقافية والدينية والتاريخية دون العلمية التي تقيس بها الدول تقدمها التعليمي.

 

لذا صار من الضرورة إن أريد إنتاج عقلٍ واعٍ ناقدٍ يُمكن استثمارهُ بشكلٍ دائمٍ، العمل على تبديلٍ حقيقي في منظومةِ التربيةِ والتعليمِ، لا الاكتفاء بتعديلِ دروس باعتبارها أساس المشكل وهي ليست كذلك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد