لا يشهد الشارع العراقي هذه الأيام حديثًا أكثر من الحديث عن الإصلاح، والمقصود هنا هو الإصلاح السياسي، لكن هل الإصلاح السياسي فقط هو ما يحتاجه العراق ؟

الحقيقة نحن بحاجة إلى إصلاح اجتماعي كبير؛ فالمجتمع العراقي يعاني من أزمة فكرية خطيرة، لا شك أن سنوات الحرب والفقر منذ بداية عقد الثمانينات كان لها الأثر الكبير في تراجع الوعي والثقافة لدى المجتمع العراقي، إذ تراجع التعليم، واضطر الكثير من الشباب العراقي إلى ترك الدراسة والبحث عن لقمة العيش، خصوصا في سنوات الحصار مع هجرة كبيرة للمثقفين والكفاءات.

وجاء الاحتلال الامريكي ليفاقم المشكلات، مع طريقة حكم تعتمد المحاصصة الطائفية، إذ صارت الطائفية والترهيب من الآخر أحد أهم أدوات الترويج التي تستخدمها الأحزاب، خصوصا الدينية في أيام الانتخابات، وأدت بشكل كبير إلى انقسام المجتمع،  ومع الفشل الذريع للأحزاب، التي جاءت مع الاحتلال لحكم العراق، تعاقبت الحكومات الفاسدة التي أنهكت الاقتصاد العراقي، ودمرت البنى التحتي، وانتشرت البطالة بين الشباب، ودخلت المنظمات الإرهابية، التي وجدت الشباب العراقي لقمة سائغة أمامهم، فاستدرجتهم بحجة حماية المذاهب والمقدسات.

ومع وجود مبررات، أهمها: أن الحكومة فاسدة، وسراقة، فاستخدم الإرهاب الشباب العراقي حطبًا لإشعال الفتن وتدمير العراق، الشعب العراقي صار يعلم، ومتأكدًا، من أن جميع السياسيين فاسدين ويجب تغييرهم، لكن كلما قامت حركة شعبية لإزاحة الفاسدين، تدخلت أجندات: إما دولية أو حزبية أو طائفية، وحرفت توجهات التحرك الشعبي العفوي، لذلك يجب على المثقفين ومنظمات المجتمع المدني البعيدة عن الأحزاب أخذ الدور بتوعية الناس ونشر الفكر الوسطي المعتدل البعيد عن التطرف والإرهاب.

يجب أن يتعلم الإنسان العراقي حب الوطن، ومعنى الوطن، ويكون الانتماء للوطن، لا للطائفة أو الدين. ويجب أن نعي أن الإنسان إنسان مهما كان جنسه أو دينه أو لونه، وله حرية الدين والمعتقد، الدين والعبادة لله، وهو أمر بين العبد وربه، لكن الوطن للجميع، صار السياسي يلبس ملابس معينة، ويمارس طقوسًا دينية يخدع بها الناس، وهو في الأساس سارق وفاسد.

ما يجب أن نفهمه هو أن السياسي أو الحاكم يجب أن يقدم خدمات وإعمار وأمن، لا نريد منه صلاةً  أو زيارةً أو حجًا؛ فهذه الأمور يحاسبه ربه وحده عليها، متى تعلمنا أن نختار ونساند الحاكم على أساس العلم والأخلاق والصدق والمهنية والإخلاص للوطن، سينصلح حال البلد، أما إذا بقينا متشبثين بالمذهب والطائفة، فلن تقوم لنا قائمة. شعب العراق شعب قوي، وجذوره أصيلة، ومليئ بالمثقفين والشرفاء، لكن يجب أن يكون الوعي لدى عامة الشعب؛ حتى نتمكن من صنع التغيير، وتحقيق أهداف التغيير، وأهمها: إعادة بنية الإنسان، وتبني فكر صالح بعيد عن التطرف والإرهاب. كل مواطن يطالب بالإصلاح عليه أن ينظر إلى نفسه، ويحاسبها ويصلحها. يبدأً بنزع الحقد من قلبه، والتطرف من عقله، فلا يكون أمام عينيه سوى الوطن، وبعدها يخرج لطلب الإصلاح.

ولكن السؤال الأهم: هل سيغير الاحتجاج والتظاهر من حال العراق مع السطوة الكبيرة للأحزاب الحاكمة، وما يمتلكونه من سلاح وأموال، ومجاميع مسلحة؟ وهل لو قام الشعب بعصيان مدني أو تظاهر مفتوح، ستستجيب الأحزاب الحاكمة التي جميعها متورطة في سفك الدم، وسرقة المال العراقي؟ ذلك أن أي تغيير حقيقي سيضعهم أمام القضاء، ويزجون في السجون، لذلك هم لا ينوون أي اصلاح، سوى المماطلة وتضييع الوقت،  لذلك توجب على الشرفاء من العراقيين العمل على تدويل قضية العراق، وإجراء انتخابات بإشراف أممي أو غيره من الحلول التي تضمن للعراق حكومة وطنية من عمق الشعب تعمل على إعادة بنية العراق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية، وإلا فإن العراق ماض نحو المجهول، سرق الفاسدون أمواله، ودمروا بنيته، وإذا استمر الحال، وهؤلاء الساسة، في حكم العراق، فسينعكس الوضع بالسلب على جميع المنطقة، وقد بدأت تداعيات الوضع العراقي تنعكس على جميع دول المنطقة، لذلك فإن المسئولية تقع على عاتق العرب جميعًا بالعمل على إنقاذ العراق.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد