في ظل الظروف الراهنة التي يمر بها الأردن، علينا أن نستوعب جميعًا أن الوضع الاقتصادي الذي نمر به اليوم هو الأصعب منذ عقود، وأن إصلاح هذا النظام يتطلب انشغال المواطنين بقضايا الوطن ضمن نهج منظم وتشاركي؛ حتى نتخطى التحديات والصعوبات التي نمر بها، وحتى نتفادى المخاطر القادمة التي قد تنجم عن عدم اكتراثنا بالوضع الحالي. إن إصلاح التحدي الاقتصادي الذي نمر به يتطلب إصلاح النظام السياسي القائم من خلال رؤية شاملة تستهدف تسريع عملية الارتقاء بالوطن والمواطن إلى منزلة أسمى.

إن الإصلاح السياسي هو مجموعة من الإجراءات التي تعزز مشاركة المواطنين في صنع القرار وتقوية المؤسسات الديمقراطية، وتضمن عدم تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات. إن الإصلاح السياسي ليس إلا منفذًا إلى بر الأمن والأمان، لأنه هو القاعدة التي يبنى عليها حاضر البلاد ومستقبلها. الإصلاح السياسي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالديمقراطية، والديمقراطية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالمجالس المنتخبة بكافة أنواعها ومنها النيابية. هذه المجالس يجب أن تكون منتخبةً انتخابًا حرًّا ليمثل المنتخبون مختلف طبقات الشعب، وهذا يقتضي وجود قوانين عادلة تكون مبنية على أسس الشفافية والنزاهة، تتيح للمرشحين فرصًا عادلة في التعبير عن المصالح الشعبية المختلفة. إن قوانين الانتخاب وجدت كي تنظم عملية وضع المجالس المنتخبة وإقامتها، وكل تلك المجالس تبنى على أصوات المواطنين قبل أي شيء آخر. إن الذين يجلسون تحت قبب المجالس النيابية عليهم أن يتفهموا أنه جرى اختيارهم كي يعبروا عن مختلف مطالب الشرائح التي صوتت لهم، سواء كانت مطالب اقتصادية أم اجتماعية، وعلى المواطنين أن يتفهموا أن واجبهم هو أن يضعوا الشخص المناسب في المكان المناسب؛ كي تتحقق تلك المطالب. إن الإصلاح السياسي يعتمد كليًّا على تفهم المواطنين للأسس الديمقراطية، ولكن قبل ذلك، على الحكومة توفير بيئة مناسبة للانتخابات من خلال قوانين انتخاب نزيهة عادلة لا ظلم فيها مغمسة بالشفافية. الطريق للإصلاح السياسي مرسوم منذ قرون من الزمان، وجرى تطبيقه على دول عدة قبلنا، فنحن لسنا بحاجة إلى اختراع جديد، ونحن بحاجة لهذا الإصلاح الآن قبل أي وقت آخر كي نتقدم بمختلف المجالات الحياتية، وأهمها الاقتصادية؛ لأن معاناتنا من هذا المجال أصبحت لا ترحم. إن علاقة الإنسان بالتنمية تتناسب مع سرعة تطور الدولة، فكون المواطن جزءًا من عملية صنع القرار يؤدي إلى بناء مجتمع منتج يعبر عن مطالب الشعب الحقيقية، والتي بذاتها تعد إصلاحًا شاملًا.

إن صعوبة الوضع الاقتصادي الذي تمر به بلادنا يفرض على الحكومة مراعاة أسس الديمقراطية، وإنشاء برامج توعوية حول مبادئ الديمقراطية، فعملية الإصلاح السياسي هي الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها كي نصلح باقي جوانب الدولة، وأهمها الجانب الاقتصادي. إن الجانب السياسي مرتبط ارتباطًا محكمًا بالجانب الاقتصادي، لأن السياسة ليست إلا منهجًا لإدارة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية. فالنواب والمنتخبون في المجالس الشرعية ليسوا إلا أداة لتحقيق مطالب الناس التي هي مرتبطة بالعيش الكريم ومصالحهم المادية. لهذا، إن أردنا أن نرتقي باقتصاد دولتنا، علينا أن نضع الجديرين بالثقة في موضعهم المناسب، وعلينا أن نضع من سيعبر عن مطامحنا التعليمة والاقتصادية والاجتماعية في المقاعد النيابية، وهذا يتطلب جهدًا من المواطن، ألا وهو التصويت للمرشح المناسب. وجود منتخبين ونواب لا يكترثون لمطالب الشعب الحقيقية، سيؤدي إلى سوء استغلال الموارد البشرية والطبيعية في الوطن، وإلى إهمال المطالب الشعبية، والتي هي أساس الارتقاء بالوطن. إصلاح النظام السياسي سيعني وضع الشخص الكفء في إدارة شوؤن الناس، وإدارة الموارد والخيارات. وهذا لا يؤدي فقط إلى الإصلاح الاقتصادي، بل سيؤدي إلى إصلاح في مختلف جوانب الدولة.

إن الانتخابات النيابية في الأردن قادمة، وعلى المواطنين أن يستغلوا هذه الفرصة بالشكل الصحيح؛ حتى يتسنى لهم تحقيق مصالحهم المختلفة. علينا أن نؤمن بأن الحياة النيابية في بلادنا هي منطلق الإصلاح والبداية نحو بناء جيل أكثر ترفيهًا واستدامة. علينا أن نعطي أصواتنا لمن يستحقونها من المرشحين من أجل ضمان نواب إيجابيين يحملون رسالة ويؤدون الأمانة على أتم وجه. إن المشاركة السياسة واجب قبل أن تكون حقًّا للمواطن، وعلينا بصفتنا شعبًا واحدًا أن نكون شركاء في تقوية المجالس النيابية وتصليبها من خلال إعطاء أصواتنا لمن يستحقها من مرشحين. فالمشاركة السياسية تجذر أسس الديمقراطية وتوطدها في الدولة، والتي ستحفز التطور والنمو الاقتصادي. وعلى المجالس التشريعية تعديل وإقرار بعض المواد في الدستور ذات العلاقة المباشرة بالشأن السياسي مثل طرق تشكيل الحكومات وتغييرها، وإعلان انتخابات البرلمان، وقوانين الانتخاب والأحزاب السياسية. كما يتوجب على السلطة التنفيذية أن تطبق تلك التشريعات السابقة بمرونة وبدون تمييز.

إن الإصلاح السياسي موضوع مؤرق بسبب الإقليم المضطرب الذي يقع فيه الأردن، ولكنه المنطلق الأساسي لمواجهة التحديات والمخاطر المحدقة بالوطن. على الدولة أن تتوحد مع الشعب كي تتجاوز المخاطر والأزمات بسلامة، وذلك التوحد ينشأ بمزيد من المشاركة السياسية من قبل أفراد الشعب؛ كي تتقلص فجوة الثقة بين المواطن والحكومة. نحن أحوج الناس في هذا الوقت إلى الرقي الاقتصادي بسبب الأزمات الوخيمة التي تعرضنا لها مسبقًا، وقد أثبتت تجارب الأمم السابقة أن المجتمعات الأكثر تطورًا في الجانب الاقتصادي، هي المجتمعات التي تتمتع بمستوى عالٍ ووفير من المشاركة السياسية والحقوق المدنية. إن اقتراب الانتخابات ليس إلا فرصة كي نصلح الوضع الحالي، ونحسن من المستقبل، من خلال إعطاء أصواتنا لمن يستحقونها من الناس، فالنواب مسؤوليتنا، واختيار الصالح منهم ليس إلا دليلًا على حبنا لوطننا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد