الجماعات الإصلاحية وأشهرها جماعة الإخوان المسلمين في مصر تقوم منهجها على تحقيق التغيير والإصلاح في المجتمع، منتهجة كل الوسائل والقنوات الشرعية التي تقرها الحكومة داخليـًّا، والقانون ومنظمات المجتمع الدولي، والتي تجعلها على اتصال بقواعدها في المجتمع وقادرة على القيام بأنشطتها وداعوتها الإصلاحية، وبعض الجماعات والحركات الإصلاحية كجماعة الإخوان المسلمين، لديها تدرج منهجي للتمكين مثل البداية بالفرد، وثم الانطلاق إلى أن يبني هذا الفرد الأسرة المسلمة، ومجموعه من الأسر المسلمة تصلح بدورها المجتمع، ثم الانطلاق للعالمية وهذا التدرج مكتوب وموضوح في جميع أدبيات الحركات الإصلاحية ومعروف جيدًا للجماهير فضلًا عن الدول والحكومات.

ولكن هل سيسمح هؤلاء – الغرب والحكومات – لهذه الحركات بأن يصلوا لمرحلة إصلاح الحكومة بداية من الفرد خاصة وأن لابد لهذه الحركات الامتثال للقوانين التي تحكم الوسائل الشرعية المستخدمة في الاتصال بالجماهير وأيضًا لابد أن تبقى علاقتها وصورتها لدى الغرب في أحسن صورة؛ لأنه مهما طال الأمد يبقى الغرب حليفـًا لها عند خلافتها مع حكومتها .

نحن في حاجة لأن نفكر مليـًّا في هذه الفرضيات، ونقيم هذه العلاقة بين الأطراف الثلاثة مرة أخرى:

بعد إدراك الغرب تكلفة الحروب والاحتلال العسكري، وأنه لابد للشعب أن ينتصر دومًا، قام بتطوير فكرة الاحتلال لهذه الشعوب بدلًا من الاحتلال الخارجي لها، إلى احتلال داخلي، لملك، أو لحاكم معين برئاسة حزب معين، أو لقائد عسكري ينقلب على السلطة ويثبت عروش حكمه، ثم بعد التمكين لهذا الرجل أو المؤسسة، عن طريق القيام بدعمه ماليًّا، ودوليًّا، والوقوف بجانبه من الغرب؛ لتاسيس دولة تصل إلى عشرات السنين يضمن فيها الغرب:

1-    انهيار الاقتصاد المتعمد، واضمحلال مستوى النمو الشامل لها، والأزمات الاقتصادية المفتعلة والمستمرة لهذه الدول، والاعتماد على زيادة معدل نمو الدولة الاقتصادي بنسبة ضئيلة في بعض القطاعات، وربما تكون زيادة في القطاعات الصناعية للصناعات السوداء التي يخاف الغرب من تواجدها على أرضه، مثل: صناعة السيراميك، والأسمنت، والحديث طويل جدًّا عن هذه الخطة مما يصل بنا إلى:

أ‌- الاستفادة الاقتصادية العظيمة من الصادرات التي تعتمد عليها هذه الدول في بيع صادراتها وتحقيق الرفاهية والنمو الاقتصادي.

ب‌- أن تفقد هذه الدول حرية اتخاذ قرارتها؛ لأنه ببساطة من لا يملك قوت يومه لا يملك كلمته، وتصير قرارتها جزءًا من سياسة الدول الاستعمارية.

ت‌- انشغال أغلبية المجتمع بتوفير لقمة العيش، وعدم اهتمامتهم بحقوقهم السياسية “عندما ينمو الجوع يموت كل شيء آخر” نتيجة إلى الصرعات الاقتصادية، وانخفاض معدل دخل الفرد.

ج- التدهور الصحي وانتشار الأوبئة والسرطانات في الشعوب التي تعمل في القطاعات القذرة، ويصل الأمر إلى الاتفاق مع بعض الحكومات على دفن النفايات النووية التي تقضي على الأجيال القادمة وتمنعها من التمتع بصحة لحمل معاول البناء.

وعوامل أخري تسبب فيها فساد الحكومات من إفساد الثقافة العامة، وتمييع القضايا الإسلامية، مثل: قضية القدس، ومساعدة وسائل إفساد الإخلاص ودعمها، والكثير والكثير.

ولكن بعد كل ذلك ما دور الحركات الإصلاحية؟، ولم يقف الغرب في صف الحركات الإصلاحية أحيانـًا رغم أنه على الدوام يحارب الإسلام، بل يصل الأمر لعدم الدعم الشفهي فقط؛ بل يوفر لها ملجأً آمنـًا من مخالب الحكام ويحافظ على وسائل تمويلها عند اللجوء للغرب، هذا – في اعتقادي- ليبقى هذه الحركات الإصلاحية في الوقوع دومًا في هذين الفخين:

– الفخ الأول:

أن تقوم الحركات الإصلاحية بإضعاف التوجهات والحركات الجهادية والبعد عن فكرة الجهاد والمقاومة المسلحة للظلم والحكام الطغاة وبذل النفس والمال فيه، وتوفير بديل لصاحب توجه إسلامي آخر للشباب الإسلامي عن طريق القيام بمقاومة الظلم الواقع بقواعد هذه الحكومات، بأنشطة مدنية مشروعة تستطيع الحكومات المحتلة إغلاقها وتتبع قادتها والقبض على القائمين عليها بمنتهى السهولة، وهدمها بمنتهى البساطة، مثل – الانتخابات والنقابات والاتحادات العمالية والطلابية– وتتم هذه الأنشطة بمعرفة وإشراف قوانين وقوة وقواعد وسلطة الحكومات المحتلة، ومحاولة تفريغ الكبت الناتج عن القمع والظلم الواقع على الإسلاميين، واحتواء الطاقات الناتجة عن التفكير في أفكار مثل العدل والتمكين وإقامة الخلافة عن طريق أنشطة مجتمعية مثل ما سلف ذكره، تقوم بصون بثقل هؤلاء الشباب وتربيتهم ولكن في اتجاه مواز يبتعد عن الاتجاه الجهادي ويؤدي بنا:

–    إلى جعل كلمات الجهاد صورية بدون تطبيقات عملية لا وجود لها إلا في أناشيد الشباب، وكتب السيرة، بل تنفير الشباب من الجماعات الجهادية ومن يحمل أفكارها على الساحة؛ لأنها بطبعها صاحبة الحل المفتقر للعقل والمنطق، بالإشارة إلى أن الجماعات الإصلاحية هي التي تمتلك الحل المنطقي للوصول إلى دولة الخلافة، وهي البديل الأمثل دون تقديم التضحيات الرهيبة التي تقدمها هذه الأفكار والجماعات الجهادية، ومع الحفاظ على حياة كريمة، ومستقبل مشرق لشباب الدعوة الإسلامية، إن الموت في سبيل الله سهل، وما أصعب الحياة في سبيل الله، وهذا كلام صحيح ولكن يجب إعمال العقل فيه والرجوع للسيرة النبوية الجهادية للرسول صلي الله عليه وسلم.

الفخ الثاني “الأكبر والمفجع”:- وسيلة لتوازن القوى بين الحكومات المحتلة لشعوبها والحركات الإصلاحية حتى لا يختل ميزان القوى، لا في اتجاه الحكومات المحتلة، ولا اتجاه الحركات الإصلاحية، وأن تصبح الحركات الإصلاحية بحكم ممارستها للعمل السياسي باحتراف، فزاعة للحكام والحكومات وملوك الدول التي يدعمهم الغرب حتى لا يظن هؤلاء أنهم القوى الوحيدة المسيطرة وأنهم بلا منازع في الحكم، وإشغال الحكومات داخليًّا بالجماعات الإصلاحية لإنهاك هذه الحكومات داخليًّ، وإشغالها بالحفاظ على مصالحها في الحكم ونهب ثورات شعوبها من الحركات الإصلاحية، وأن هذه الحركات الإصلاحية أقوي منافس على الحكم والسلطة وإيقاف فساد ثورة الفاسدين وإيقاف نموها، لجعل هموم هذه الحكومات داخلية للقضاء على آمال التوسع بداخل هؤلاء الحكام والقادة للحكومات المحتلة لشعوبها دومًا.

معادلة توازن القوى:

والمعادلة معروفة وواضحة هي إضعاف هذه الحكومات عندما تحاول إظهار مخالبها أو تثبيت عرش لشخص معين لفترة كبرى أو مشروع توريث للسلطة يحدث خلل داخل النظام الاستعماري الداخلي للحكومات المحتلة أو طموح استعماري توسعي تقوم به مما يقوم بخروجها على النظام، والخطة الموضوع لها من الغرب عن طريق جعل الحركات الإصلاحية شوكة دومًا في ظهرها الاجتماعي والسياسي على مستوى الشارع، وعلى الطرف الآخر من المعادلة، دعم الحركات الإصلاحية من بعيد بمستوى وبطرق لا يسمح بوصولها للحكم، مثل عدم تصنفيها دوليًّا بأنها جماعات إرهابية أو تجميد وسائل تمويلها من أعضائها بالخارج، وعند وصول إحدى هذه الحركات الإصلاحية للحكم إما بثورة سلمية أو بانتخابات شعبية ينقلب الغرب عليها، ويقوم بتمرير الحل البسيط والسحري للحكومات، إما القمع والاحتلال في حالة تصدر المجالس المحلية أو الشعبية أو الانقلاب بالكامل إذا وصلت لسدة الحكم، كما حدث في مصر بالإطاحة برأس النظام الذي جاءت به إحدى هذه الحركة الإصلاحية والإيعاز إلى الجيش بعودة مقاليد الأمور له، حتى لا ينفلت زمام الأمور ويستقر الأمر لفصيل له توجه إسلامي ويتم عودة مصر مرة أخرى لمسار النظام العالمي

وأخيرًا لا يبقى إلا أن نقول إننا لا نشكك أبدًا، أبدًا في نوايا أحد، وأن هذه الحركات تلتقم هذه الفخاخ رغمًا عنها، بل بالعكس، إننا نثني على جوانب كثيرة داخل بناء هذه الحركات الإصلاحية مثل الدعوة في المجتمع ولجنات البر والعمل الخيري ودورها البارز في قضاء حوائج المسلمين ورعايتها، ولكن هي وجهة نظري أقدمها للانتباه لعدم استخدام هذه الحركات وشبابها للوقوع في هذه الفخاخ مرة أخرى، ومحاولة الخروج منها لمصلحتنا جميعًا، ومن وجهة نظري المتواضعة أن الحركات الإصلاحية والجماعات الجهادية لا يمكن أن تقود أحدها الأمة منفردة؛ فكل منها يمتلك نصف الحل، ولا بد للخروج من هذا المأزق أن يتكاملا في مشروع يقود هذه الأمة وشبابها نحو الطريق السديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد