يومًا بعدَ يوم ولحظة بلحظة، يلهم أصحاب الهمم أرواحنا، مقدمين لنا دروسًا في الإرادة والنجاح، ليكونوا نموذجًا للإبداع والتميز في كافة مجالات الحياة من ميادين العلوم والآداب إلى ميادين الخدمات المجتمعية التي هي أيضًا ساحة للعطاء، استطاعوا أن يثبتوا ذواتهم فيها، ويحققوا النجاح ويحصدوا الجوائز، فقد أثبتوا من خلال إصرارهم على المشاركة أنهم نماذج يُحتذى بها، ويزيدوا من قوة مجتمعهم.

يقول يوحنا ستورت مل: إن «قيمة المملكة تتوقف على قيمة أفرادها»، وسر نجاح الإنسان اعتماده على نفسه، لأن ذلك أصل لكل نجاح حقيقي، وإذا اتصف به كثير من الشعب زاد قوة وارتقى، وكان هذا سر قوته وارتقائه، وما ذلك إلا لأن الإنسان يقوي عزمه باعتماده على نفسه، ويضعف باعتماده على غيره، ألا ترى أن المساعدة التي ينالها الإنسان من غيره تذهب بنشاطه غالبًا لأنها لا تدع موجبًا لسعيه في خير نفسه فتغادره ضعيفًا عاجزًا، ولا سيما إذا فاقت حدّ الاقتضاء.

الناجحون، لم ينتظروا أي معجزة، أو قوة خارقة لجعلهم أناسًا ناجحين، أو ذوو تاريخ يتكلم عنه الأجيال، بل هم من صنعوا تلك المعجزة، هم من وجدوا القوّة بإرادة وإصرار، وبحثوا عنها بداخلهم التي من خلالها وضعوا نقطةَ تحوّل لحياتهم التي ستمتلئ بالإنجازات من بعدها.

الشخص الطموح في شق طريقه نحو ما يريد، يقدم أعظم معاني المثابرة التي تذكي جذوة نجاحه وتفضي إلى لحاقه بقاطرة التميز، فبالإصرار نخط خارطة طريق فيها كل ما يدلنا على كيفية مجاوزة العقبات والعثرات بشكل أكثر فاعلية، وبه أيضًا يبني الإنسان سدًا منيعًا يقف حائلًا بينه وبين الضعف والانكسار؛ إذ إنه لا يكفّ عن السعي لبلوغ مراده، وإن واجهته صعوبة المهمة في البداية، فسرعان ما يمحوها من مخيلته ويزيلها من تفكيره بالدأب على العمل وعظيم المصابرة، لهذا نقول إن، المتمسك بالإصرار لا يلتفت إلى الخلف، ولا تهوله مشاق الطريق نحو الحصول على ما يبتغيه، كما أنه لا يتزهد فيما يتطلع إليه، وفي آخر المطاف يبرهن على أنه مع إصراره يتمكن كل التمكن من الحصول على ما يريده.

لهذا اخترت أن تكون الفتاة رؤيا حسام غنيم، محور حديثي في هذه المقال، ورأيت بذلك التقديم للقارئ تجارب إبداعية مجتمعة، ونماذج ملهمة في آن واحد، رؤيا غنيم فتاة فلسطينية الجنسية، لم تتجاوز من العمر 17 سنة، ولدت في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فهي الشاعرة والقاصة والناشطة الاجتماعية والمشرفة على عدد كبير من المشاريع الاجتماعية والتربوية داخل مخيم نهر البارد منها، دعم مرضى السرطان، لعبة طفل، دعم دار العجزة، الصحة المجتمعية، الثقافة الاجتماعية، وصاحبة المشاركات في العديد من الندوات الفكرية والتوعوية لمكافحة المخدرات والإدمان والعنف الأسري والمجتمعي.

بالرغم من نعومة أظفارها، إلا أنها تمثل نموذجًا وحالة يُحتذى بها، كونها تنتمي لفلسطين، هذا الوطن الذي قدم للعالم سلسلة من العلماء والمثقفين والقادة فاليوم نحن نتحدث عن طفلة فلسطينية لاجئة وغدًا سوف يتحدث العالم عن عالمة فلسطينية استطاعت أن تحقق إنجازات قد لا يتمكن غيرها من تحقيقها، فهي تطمح أن تكون باحثة وعالمة جينات، فكانت تدرس وتعمل لتكون من المتفوقات وتثابر لإحراز المرتبة الأولى، ليس على مدرستها، بل على مستوى إقليم الشمال، وكانت تحتل المراكز الأولى على مستوى لبنان، ومن هنا بدأت رحلتها تتسلق سطور المجد ولسان حالها يقول: إنني قادمة! وسيُكتب اسمي في فهارس الكتب والمجلدات.

وكذلك مشاركتها في مسابقة لكتابة «أفضل قصة» منحت رؤية الجائزة الأولى عن كتابة قصة بعنوان «مذكرات طبيب»، وبذلك أصبحت رؤيا نموذجًا بين أقرانها في المخيم وقدوة لأبناء شعبها ومفخرة لفلسطين.

هـي فلسـطيـن

حادثني أحدهم قائلًا: صِف لي حبيبتكَ

حبيبتي بعيدةٌ جدًا كبعدِ السماء

قريبـةٌ إلى قلبي كقـربِ الوتيـن

حسنًا أخبرني الآن، كـم تحبـُها؟

أحبُها بقدرِ بعدها عني أو ربما أكثر

هذا البعدُ الذي طالَ وطال سنين

ماذا لو باعها الجميع وتخلى عنها؟

يا صديقي أحبابها كثْرٌ وعشقها بحرٌ

ثم نحنُ نحبها نيابةً عن كل العالمين

من أنتـم؟ من هم أحبابها؟

أحبابُها الشهداءُ والأسرةُ وكلُّ أصحابُ

النخوةِ والشرف وكلُّ المرابطات

والمرابطين

لم أعرفها؟ صفها أكثر؟

بها السناءُ والبهاء والعطاء والبقاء

بها جمالٌ يستـلُ أنفاس الناظرين

أفريدةٌ هي لهذه الدرجة؟

الموت بها ولادة والجهاد في سبيلها شهادة

أنها صامدة لوحدها بوجه المحتلين

حسنًا ما يوجد بها بعد؟

تتوسطها القدسُ زهرة المدائن

ويعانقها الأقصى عناق العاشقين

تزنيها حيفا وتداعبها يافا ووتحليها نابلس

وتغنيها أريحا وتنبض بها رام الله

وتحرسُها غزة من كيدِ المغتصبين

تنصرُها الناصرة التي بها بيتي وجنتي

«صفورية»، طفلتي المدللة التي تغفو

على قلبي وتشعلُ به نار الحنين

«صفورية» التي تتربعُ على عرشِ الجمال

وتتراقصُ بخفةٍ على أنغام الدلـال

هي في رحمِ معشوقتي أروعُ جنين

آهٍ من معشوقتي، قويةٌ، صلبةٌ، ثابتةٌ

ناعمةٌ، حنونةٌ، طيبةٌ.. صدقني لماستها

تدواي الروح وتبسلـم شظايا الأنين

تهشَم جباهَ الجبـال.. تصارعُ قسوة العواصف

ثم تعود لتنام بين يديِّ الليل وتستفيق

مع نسمات الفجر منتظرةً الفرج المبين

معشوقتي تلكَ تتساقطُ القوافي أمامها

وتتهاوى الحروف معلنةً لها استسلامها

سرَقَتْ قلوبَ الشعراء وصارت لهم عناوين

خانَها إخوانها يا صديقي وباعوها وخذلوها

وظلموها وقهروها وقتلوها وغدروها

لكنّها لا تزالُ لهم خير أم وخير معين

فتنتني يا صديقي.. من هي معشوقتك؟

هي الحبيبةُ والصديقةُ والرفيقةُ

هي أمي وأم العالمين.. هي فلسطين!

لم تكتف رؤيا غنيم عند هذا القدر من الإنجازات فقد تمكنت من حصد لقب أفضل كاتبة للشعر في منطقة الشمال، وقد تغنت في قصائدها بحب الوطن والعودة إلى الديار وزينت بكلماتها العطرة قريتها في فلسطين «صفورية» بأجمل الأبيات، وكذلك مشاركتها في مسابقة لكتابة «أفضل قصة» منحت رؤية الجائزة الأولى عن كتابة قصة بعنوان «مذكرات طبيب»، وبذلك أصبحت رؤيا نموذجًا بين أقرانها في المخيم وقدوة لأبناء شعبها ومفخرة لفلسطين.

خلاصة القول.. دائمًا ما يكون الإصرار خلف وصولك لشيء كنت تبتغيه، ونجاحك في بلوغ مرادك ليس نهاية الطريق وفشلك في ذلك لا ينقص من قدرك ولا يقلل من قيمتك في شيء، وبإصرارك وحده يمكنك أن تكمل الطريق في أي ظرف كيفما كان، فالنفوس العظيمة لا تستسلم ولا تجد راحتها واستقرارها إلا في التحدي لتحصل على ما تريده، لإيمانها القوي بإمكاناتها؛ فهي وحدها الأعلم بمستوى قدراتها ولرغبتها جامحة للوصول للأهداف المنشودة، وعندما يتجسد الإصرار في كيانك لا يقبل التراجع فإنه يستكنُّ مندفعًا عبر طموحاتك التي تصبح بلا سقف محدد، وستزيد الثقة بقدراتك بشكل كبير لو تفحصت القصص الملهمة من حولك؛ لأنك ستتأكد من خلالها بأن الإصرار لوحده قد يكفيك في رحلتك لنيل ما تريده.

هذه حال عباقرتنا الصّغار الذي امتلكوا عزيمة وإمكانات متفردة ينتظرون الفرصة المناسبة للتعبير عنها في إنجازاتٍ وإبداعات تستحق الرعاية والاهتمام والدعم بكافة أشكاله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد