لم أتوقع يومًا أني سأضطر إلى ترك وطني مجبرًا بعد هذا الانقلاب العسكري الذي ضرب بلادنا فلم يترك شيئًا في مصر إلا وأفسده حتى أنا فقد أمات هذا الانقلاب فيّ أشياء كثيرة كنت أظن أنها لا تموت، حاولت كثيرًا أن أتكيف مع هذا المشهد الجديد وأن أتعايش مع مستجداته ولكن هذا النوع من الأنظمة القمعية بطبيعتها لا تقبل بترك مساحة ولو صغيرة ليحيا فيها أحد حياته الطبيعية المستقيمة، فهو لا يحيا إلا وسط الأموات، فهو في الحقيقة لا يصنع لشعبه إلا الموت، ولا يقود إلا الأموات.

انطلقت في رحلتي والتي كنت لا أسمع عنها إلا أهوالًا وأن من ينجو منها فقد كتب له عمر جديد، انطلقت من أقصى شمال البلاد إلى أقصى جنوبها، فما زلت داخل تلك البلاد ينتابني القلق وتحاصرني مشاعر الخوف، أتحسب لكل حركة ولكل نظرة وكلمة وكنت أونس نفسي ببعض الآيات والأذكار مما كنت أحفظ، فمن باب الحرص لم أجلب معي مصحفًا ولا كتيبًا للأذكار، فهذه الأشياء تعد في بلادي حرزًا تبنى عليه قضية، بل لأول مرة في حياتي أضطر إلى شراء علبة سجائر على الرغم من أني لم أكن يومًا من متعاطيها، ولكن كنت بحاجة إليها حتى تنفي عني سمت الالتزام الذي قد يطفو علي دون أن أشعر وتكون لي في بعض الأحيان بطاقة عبور عند الحاجة، بالإضافة إلى ذلك فكان من مظاهر الحرص أيضًا حتى لا ينكشف أمرنا هو عدم التفوه بأي كلمة ولو كانت بسيطة توحي أنك من الطائفة الملتزمة، على سبيل المثال فمن المحظور عليك إن أردت أن توجه الشكر لأحد أن تقول «جزاك الله خيرًا» أو أن تقول «تقبل الله»، كما هو محظور أيضًا وبشدة إذا اضطررت إلى التعرف لأحد أن تقول له «أخوك فلان» فكل هذه في بلادي من المهلكات التي تؤدي بك قطعًا إلى الجحيم، جحيم من صناعة هذا النظام القمعي المجرم عاشق الموت والأموات.

دامت المرحلة الأولى من الرحلة ما يتعدى السبع عشرة الساعة بعدها نزلت أستقل وسيلة أخرى تنقلني لنقطة جديدة، وهنا كان اللقاء الأول بمجموعتي التي ستعبر معي الحدود والمفاجأة أن بعضهم كنت على معرفة مسبقة بهم، حملنا جميعًا أمتعتنا وركبنا الوسيلة الأخرى والتي أوصلتنا إلى نقطة قريبة جدًا من تلك الصحراء التي تفصل بين ما نفر منه وما نرنو إليه، قضينا يومنا في هذا المكان وكان التنبيه علينا واضحًا «لا ترفعوا صوتًا ولا تفتحوا نافذة» كل ما علينا فعله هو السكون، السكون فحسب، وقتها لم تمثل لنا تلك التنبيهات شيئًا لأننا أصبحنا في هذه اللحظة أسرى للإجهاد فلم نعد نملك أصواتًا مرتفعة ولا أجسادنا قادرة على الحركة حتى تفتح نافذة أو غيرها، كل ما استطعنا فعله أن نتوجه إلى الله ونبتهل إليه أن يقضي لنا هذه الرحلة بسلام.

بعد عدة ساعات جنّ علينا الليل وأُسدلت علينا ستائر ظلامه، وفي هذه اللحظة طلب منا أن نستعد وأن نحزم أمتعتنا وما هي إلا دقائق وانطلقنا تقلنا وسيلة أخرى إلى حافة الصحراء ومنها إلى أخرى تغوص بنا في قلبها وتخوض بنا رحلة طويلة في سواد الليل حتى غابت عنا الصورة فلم نعد نرى كفوفنا فكنا نتحسس كل شيء، في هذه اللحظات كان لا يرهبنا إلا رؤية الضوء مهما كان حجمه وسواء كان قريبًا أو بعيدًا، فهذا يعني أن أحدهم يتتبعنا، كانت هذه الساعات من أصعب ما مررنا به في رحلتنا تلك، كانت ساعات طويلة تأبى أن تمر، وبدأت أجسامنا يتخللها الألم بسبب صعوبة الطريق ووعورته فكل هزة أو رجة تصيب عربتنا التي نركبها كان صداها يصل إلى أعماق أجسادنا في لحظتها، بعد فترة من الزمن كانت هي الأطول في حياتي أتانا ما نخشاه، إنه الضوء ولكن من مكان لم نتوقعه، فقد تجلى الصبح بنوره فهنا انهار هذا الاعتقاد الذي أوشك أن يستقر بداخلنا أن هذه الليلة لن تنتهي وأن هذا الظلام لن يندثر أبدًا، في هذه اللحظة تم إعلامنا أن الجولة القادمة من رحلتنا سيكون سلاحنا الوحيد للصمود هي أقدامنا إنها مرحلة السير على الأقدام ليس لفترة قصيرة تحت شمس تلوح لنا بسيوفها، هذا هو السبيل الوحيد لنمر بأمان.

وقفنا مستسلمين للأمر بأجسادنا المتعبة وأذهاننا المشتتة ننظر إلى تلك الصحراء القاحلة، أصبحنا كالذي يصارع الغرق في المحيط فلا سبيل أمامه إلا الاستمرار في السباحة حتى يفقد قواه وينهار ومن ثّم يموت غرقًا، أما عنا نحن فلا خيار أمامنا إلا السير فإنه ليس سيرًا عاديًا إنما سير على حافة الجحيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد